أحمد عبد الغني يكتب: من غير لف ودوران!


من غير لف ودوران!
بقلم: أحمد عبد الغني

"لف ودوران"، أجمل تشبيه لما يحدث حاليا في حياة المصريين، وهو أدق وصف تقريبا لأخلاقنا وتصرفتنا مع بعضنا البعض، غياب تام للشفافية والوضوح في التعاملات، أسلوب ملتوٍ في الكلام وفي كل شيء، أسلوب به الكثير من اللف والدوران، غياب للضمير، وغياب التعامل بسماحة وحسن نية وبراءة، غياب لمراقبة الله في تصرفاتنا، ثم ندعي الفقر، وندعي سوء الخلق، وندعي عدم استجابة الله لدعواتنا، لكن هذا نتاج أعمالنا وحصاد تصرفاتنا، هذه بضاعتنا ردت إلينا.

"من تحت الترابيزة"، هذا هو الأسلوب الثاني المتبع في حياتنا، خاصة في التعاملات الحكومية أو التعاملات المادية، غياب للرقابة، وإغفال للحق، وانعدام للضمير، أمور أدت إلى الوساطات والمحسوبية والرشاوى، والأموال التي تُدفع من تحت الترابيزة لأنهاء أي مصلحة، تحت الترابيزة في المرور، في الجوازات، في التأمينات، في الحي، والتراخيص الخاصة بالبناء، أو في مخالفات المطاعم والكافيهات، تحت الترابيزة أموال تُدفع من أجل تغير أقوال، أو من أجل تغير حقائق، وتزيف تقارير منتجات لاتصح للأستهلاك الآدمي... مما يؤدي إلى انتشار كبير في الفساد وانعدام الضمير.

"كلب بلدي"، بالرغم من أن الكلاب تتصف بالشجاعة والصدق والوفاء والإخلاص، إلا أن معظم الناس كانوا يشتمون ويسبون بعضهم بـ "ابن الكلب"، وأحيانا يزيدون في الوصف قائلين: "ابن كلب بلدي"، والاعتقاد السائد بأن الكلب البلدي أحقر أنواع الكلاب وأنه كلب شوارع و"مش متربي"، هو السبب في السباب به، ولكن أعتقد أن شأنه شأن باقي الكلاب، وفي، ومخلص، وشهم، و"جدع"، ويا ريت إحنا كمصريين نتصف بالصفات دي، يا ريت نكون كلنا عندنا الشجاعة والجرأة والصدق والإخلاص والوفاء.

"جوجل"، كلنا فينا محرك البحث جوجل في البحث والتنقيب عن أسرار بعضنا البعض، ونشر فضائح بعضنا البعض، البحث عن الشر وعن الخطأ، البعد التام عن النصح والإرشاد في الحق والعدل، حتى في استعمالنا للنت بنبحث عن السكس، وقليل منا اللي بيستخدمه في البحث عن الخير أو العلم فعلا، كلنا عندنا شخصية "برايز" وشخصية "جوجل" وشخصية "الجينيَس"، والفتي والهري بدون وعي، كلنا جوجل بنمشي على الأرض.

"البس عشان خارجين"، خارجين من صفوة الدول إلى أشباه الدول، خارجين من صفوة المجتمع والناس إلى أشباه البشر، خارجين من الاحترام والرقي والتقدم إلى مزيد من التخلف والانحطاط في الأخلاق والتفاهات وتغييب العلم، والتحرك بقوة نحو الهاوية، خارجين عن المألوف، خارجين عن القانون، خارجين عن كل حاجة صح، خارجين إلى كل ماهو خطأ، فساد، رشاوى، أكل مسرطن، مياه شرب مخلوطة بمياه مجاري، أكل منتهي الصلاحية، أكياس دم فاسدة، أدوية مغشوشة، مباني آيلة للسقوط، تعليم فاشل، كل ما سبق سيؤدي إلى أننا خارجون فعلا عن الواقع.

حملة فريزر جاءت إلى مصر لاحتلالها سابقا، وحاليا كثير من المصريين يرى ما يحدث للدول من حوله، ويرى حملات فريزر بطرق مختلفة على تلك الدول، ويتمنى ألا تحدث مثل تلك الحملات على مصر في يوم من الأيام، لكن هذا لن يحدث بالأماني فقط، ولكن بالعمل والتآخي والاتحاد، بالصدق والإخلاص والوضوح، ونبذ الفتن والفرقة، يحدث بالقضاء على الفساد الذي أصبح مثل السوس الذي ينخر في أساس المجتمع والبلد، يحدث بتطوير التعليم، وبالحث على الأخلاق والفضيلة، وإعلاء المثل العليا، يحدث بتنقية الفضائيات والإعلام من الدخلاء والجهلاء، الذين يشيعون الفوضى والتخوين والتهليل، ليس كل من عارض النظام خائنا، وليس كل من أيد النظام "مطبلاتي" أو "أمنجي" مثلا، لا بد من الابتعاد عن تلك المسميات، ولا بد من الدعوة إلى العمل، وأن نجتهد ونخلص لله وللبلد، نحاول أن نقتدي بأسلوب دول أخرى في الإدارة، مثلا سنغافورة أو ماليزيا أو تايوان أو تايلاند أو حتى رواندا، ونبتعد عن لغة التهديد بأننا أحسن من سوريا والعراق وليبيا واليمن!!