وسام عثمان يكتب: أنا والأزورس (العودة إلى الكومباوند)


أنا والأزورس (العودة إلى الكومباوند)
بقلم: وسام عثمان

في الجزء التالت لو تفتكروا، قال لي الأصدقاء لازم نرجع الكومباوند، قلت مش راجع يعني مش راجع، أنتم شايفين الحاجات الغريبة اللي بتتعمل في الشوارع دي، ده النهارده احتفالات يا جدعان، ولأن الطيور على أشكالها تقع، فقد وقعوا على نفسهم وعاد الجميع للكومباوند، ووقعت أنا على نفسي، بس المرة دي لقيت طير وقع معايا وقال لي أنا معاك، الحمد لله، أصبح هناك صديق سوء! وقررنا أن نكتشف الاحتفالات في الأزورس.
كورنيش الشاطئ واسع وكبير وبعيد، وعالي جدا عن رمال الشاطئ، بحيث لا تستطيع تحديد ملامح من هم على الشاطئ، وعلى هذا الكورنيش باعة متجولون يشبهون في كل شيء الهنود الحمر، ويبيعون اكسسوارات طابعها هنود حمر، وكله هنود حمر في هنود حمر.

المشهد العام على الكورنيش أشبه بليلة الاحتفال في فيلم "القتلة" لـ "سيلفستر ستالوني" و"أنطونيو بنداريس" عندما كان يبحث في السوق عن رائحة الياسمين.

على الجانب الآخر من الشارع منطقة واسعة، بها مسرح سريع الإنشاء، وكراسي في قلب الشارع، وفعاليات غناء وشعر، هتقول لي عرفت منين موضوع الشعر ده! بسيطة، كان واحد بس اللي واقف على المسرح وماسك ورقة في إيده وبيقول كلام برتغالي بطريقة الحلزونة يامّا الحلزونة، وبعدين إحنا مصريين نفهم أي حاجة في أي حتة!

مكان آخر به مجموعة من الخيام المربعة، تماما كخيام معرض القاهرة الدولي، ولكن جناح الدول اللي مش بتلاقي فيه حد وهي بس يافطة عليها اسم البلد وشوية منتجات وخلاص، لكن هنا كل خيمة بها أُسرة تعرض منتجات لها مصنوعة "هاند ميد"، وهي فعلا تعرض فقط، لا شفنا حد بيبع ولا حد بيشتري، كذلك يصنعون منتجاتهم في خيمتهم وكأن الغرض هو أن كل أسرة تستعرض إمكانياتها في مهارات الـ "هاند ميد".

على الجانب الآخر من المدينة فوجئنا بوجود مارينا يخوت أكثر من رائعة، أشكال وأحجام مختلفة ومتنوعة، وكلها تتزاحم في هدوء شديد بجوار الشاطئ، وكم من بكيني يزين هذه اليخوت! العين تلمح بجوار المارينا زحاما شديدا للغاية، يتنافى مع طبيعة المدينة الهادئة، لكن الدهشة تزول عندما نكتشف أنه معرض مطاعم، فعند حديث البطون تجد العالم يتحدث لغة واحدة! خيمة كبيرة جدا ومستطيلة، مقسمة إلى مربعات، في كل مربع يوجد مطعم، على بوابته الافتراضية يوجد حوض كبير من الزجاج مثل أحواض سمك الزينة، لكن بدون ماء، وبداخله المأكولات التي يقدمها هذا المطعم، وهي غير مطهية، وعليها الأسعار، وبجوار هذا الصندوق تقف فتاة تحاول أن تقنع المارة بدخول المطعم، ولكن بابتسامة جميلة وليس كما جاء في أذهانكم! هو أنتم في حاجة جات ذهنكم ولا أنا اللي بحاول أجيب حاجة في ذهنكم!! أغلب المعروض في الصناديق لحم خنزير بأشكال تختلف من مطعم لآخر، وأسماك مختلفة أيضا، ولا مكان بالمرة للدجاج والخضروات، والملفت للنظر أن جميع الصناديق يوجد بها "ممبار" محشي جاهز للتسوية! وهنا لا يزال التأثير العميق لحضارة الأندلس العربية قائما في بلاد الغرب!

أظلم الليل، وظهر ممر رائع من الأضواء الملفوفة على بوابات متلاحقة من الـ "فيرفورجيه"، وكأنك تسير في أنبوب أسطواني طويل مصنوع من خيوط الذهب المجدول، والمرصع بالماس، لنسمع فجأة صوت صخب وصياح، وتظهر من خلف هذا الصخب مجموعة كبيرة من الدراجات البخارية من مختلف الماركات والأحجام، من حجم السيارة وحتى الـ "فيزبا"، يستقلها إما رجال أو نساء، أو من ده على ده، يلبسون جواكت موحدة عليها مجموعة من البادجات، ويسيرون داخل هذا الممر المضيء، وفعلوا ذلك مرتين ثم توقفوا في مكان واحد على شكل حرف "U" بالإنجليزية، ونزل الجميع ليقف بجوار الدرجات، ثم.. ثم لا شيء، إنهم يستمتعون وحسب.

كورنيش ومارينا يخوت ومعارض هاند ميد ومطاعم ومسارح ومضمار درجات بخارية، كل هذا في مساحة صغيرة جدا دون أن تشعر حقا بالزحام أو الضيق أو الضوضاء؛ لأن الحياة بسيطة، ولا أحد يزاحم أحدا في خصوصياته، ولا في نيته، وكأن الجميع اتفقوا أن يعيشوا ويستمتعوا، دون أن يرهقوا أنفسهم ويرهقوا الآخرين معهم.