د. محمد يوسف - كأنه أنا


كأنه أنا


د. محمد يوسف


 ما بين الوريد وأشباهه
والخط واستوائه
تقف عناصر الرغبة على الحياد
فلا التراب بلله ماء الانتظار
ولا سوائل العشق قد ماعت
وهواء ما بيننا أضحى جلمودًا يحترق
فجمر الاشتهاء حينئذٍ ليس مفاجئًا
لا هو جَذوة تتوق للاشتعال
ولا هو حفرية تغوص في برودة النسيان
وحيث أنتِ
يبقى الحال ساترًا 
بين المضي إلى الأمام
والعودة إلى ما كنا عليه
عيناك يا حبيبتي 
لم تعد نظراتهما مباغتة
ولم تعودا ممهدتين لحدث يأتي
ومفرداتي في حضرة وجودك كما هي في غيابك
فقدت التتابع البديع
وطرفة التوقيت

تنساب الدقائق بطيئة مملة كأنها علقت في محفة من زمان رملي متكلس والساعات بالتالي ليست بأفضل حال. إنها تمر متسلقة عقارب ساعة البهو الكبير المعلقة فوق رأس السكون، وكأنها عقارب حقيقية تسير بسرعة ملليمترين في نصف الساعة التي بدورها دخلت في غيبوبة عميقة.

ممرات رخامية طويلة علق على حوافها لعاب مرضى الشكوى؛ فالمشفى في عطلة الأعياد وطنية كانت أو دينية أو حتى شخصية يشبه إلى حد بعيد متحف مومياوات مقطوعة الرأس. 

أسر لي صديقي بوجوب كسر حلقة الملل هذه وإلا امتدت (النوبتجية) إلى صباح يوم العيد القادم متوغلة في إسهال الأطفال ومغص العجائز ودورات الفتيات الشهرية المنتظمة حد السيف لدرجة أنها لم تأخذ عطلة مع كائنات العيد اللطيفة، إضافة إلى شجار عائلي أفضى إلى كسر قواطع أمامية لعم العروس الذي صمم على أن يكون العيد هو ميعاد الزفاف في حين لم تكن ابنة أخيه جاهزة بعد لاستقبال ضيف جديد يحل أهلًا وسهلًا على مائدة أنوثتها العامرة. 

لا بأس يا صديقي فلنرحل من هنا مستغلين حالة (لا أحد يسأل عن أحد). فساد صغير، وربما كبير لن يعطل الفساد الأكبر المغلِّف لحيواتنا كلها. 

اتفقنا على الذهاب لتقديم واجب العزاء في عم ممرضة جميلة تستعصي على سنوات الخبرة التي تراكمت منذ سنة الامتياز وحتى التخصص، لكن صاحبي نجح فيما فشل فيه الآخرون. كنت ضعيفًا تحت إلحاح صديقي الذي أراد مني رفقة لتشجيعه على اقتحام أنوثة صاحبةِ مهنةٍ تُعد في عرف وظيفتنا ترفيهًا مجانيًّا تقدمه الدولة لصغار الأطباء واحيانا للكبار ؛لكنه في تلك الحالة وبما ان الكبار يفضلون صغارهن فان جزءا لا باس به من بقشيش المتعة يذهب لخزانة الدولة لإعانتها على كفالة المزيد من اناث التمريض وهل هناك أنسب من ملائكة رحمة إناث يعوضن حرمان ملائكة رحمة ذكور أضناهم شقاء دراسة صعبة أنستهم حقيقة كونهم في الأصل ثدييات عاطفية.

أما أنا فلم أكن أعرف صاحبة الحظ السعيد، وليس لديَّ رغبة في تجديد عبث سنوات انتهت وانقضت وجعلتني أركن مستأنسًا وداعة إيقاع حياة بيتية طريفة. وفي النهاية التقت رغبتي بكسر الملل برغبته في الدخول إلى تجربة مثيرة، فخرجنا سويًّا نشق طريقنا نحو مغامرة يكسوها التناقض من كل جانب. 

عزاءٌ يقدم مبررًا للتزويغ مبكرًا من (نوبتجية الغم) والاثنان من أجل عيون فتاتنا الجميلة أو للدقة فتاته الجميلة. وحتى لا أصبح مثل حمدي أحمد في فيلم القاهرة 30 ويصدح فمي لاعنًا بكلمة (طز) اشترطت عليه أن أقدم واجب العزاء وأقلهما بسيارتي ثم أرحل لا شأن لي بهما، وبالطبع فإن ذلك مقابل تغطيته لي في عملنا الذي تركناه من خلال محسوبية خاله الذي يعمل مديرًا للمشفى. هي إذًا مصالح تتصالح، ودوائر قرف يكمل بعضها الآخر في تراتبية ألقاب طبية جعلتنا من كثرتها ننسى أننا أطباء نتعامل مع بشر موجوعين لنصبح في النهاية مجرد ماكينات مقهورة تنصاع لأوامر رؤسائها الذين بدورهم ينفذون بكل تفانٍ توصيات رؤسائهم فتكتمل دورة حياة التفاهة ونترقى جميعًا في ألقاب ورقية وإمضاءات وتوقيعات لا علاقة لها بما درسناه، فمرضانا مفترضون والنجاح والخسارة متساويان في الرهان ولأضرب مثلًا، فإن آخر عمل عظيم قام به زميلي كان تحقيقه في واقعة ضرب ممرضة لزميلتها، أما أنا - ولأنني أقدم منه - فكانت مهمتي رفع تقريره إلى رئيسنا الذي آثر أن يصلح ذات البين في مكتبه الشخصي تُعاونه في ذلك رئيسة التمريض بكل إخلاص وحب لتنال مكافأتها السخية أثناء وميض لافتة على باب السيد المدير تومض بـ (ممنوع الإزعاج). 

وهناك في بيت الممرضة الجميلة حدث ما لم أكن أتوقعه أبدًا، والذي كاد أن يقطع علاقتي تمامًا بصديقي وزميلي الذي أقسمت له أنني لا أعرف فتاته مطلقًا حتى عندما عرض عليَّ صورتها أخبرته أنني لا أعرفها وأنه لم يحدث قط أي تعامل من أي نوع معها. 

وذلك ما ثبت عدم صحته على الأقل بالنسبة له عندما رحبت بي الفتاة بشكل ينم عن معرفة عميقة سابقة، وما زاد الطين بلة أن كل أفراد أسرتها راحوا يرحبون بي بحفاوة غريبة وكأنني أعرفهم منذ أمد و(عيال) الدار - دورية الإزعاج المترجلة - يرتمون في حضني بشكل جماعي حتى إنني توهمت للحظة أنهم سيقولون لي: بابا بابا. ولا أعرف كيف اتسع ما بين ذراعيَّ لكل هؤلاء. كل هذا وصديقي فاتح فاه مندهشًا ومتسمرًا كأن الطير حطَّت على رأسه وأنا أقف أمامه عاجزًا عن تقديم تفسير يقنعني أنا شخصيًّا قبل أن يؤثر فيه. نظرت إليه متمتمًا بشفاهي بصوت خافت، وأنا أنزل أحد العيال الذي تسلق كتفي. 

- والله العظيم ما أعرفهم ولا شفتهم قبل كده.
تحاملت على نفسي ومددت يدي أصافح بها رب البيت أبا الفتاة. 
- البقية في حياتك يا افندم.
- الله يرحمه كان نفسه يشوفك قبل ما يموت.
- هو مين سعادتك؟
- اخويا انت نسيت انه كان بيعتبرك زي ابنه.
ثم نادى على ابنته في صوت أجش كمن يتجشأ بعد شرب زجاجة حاجة ساقعة دفعة واحدة:
- الشاي يا فاتن وما تنسيش الدكتور محمد بيحبه سكر خفيف مش كده يا دكتور (جوو).

كاد صديقي أن يلتهمني بنظراته المغتاظة وأنا وجهي تحول لوجه طفل يتضرع للذي أمامه ألا يعاقبه على فعل لم يفعله فتحولت إليه بشكل جانبي حتى لا يراني أحد، وقلت له بطريقة الكلام المعتمد على تحريك الشفاه دون نطق.

- أقسم لك اني أول مرة اشوف الناس دي. 
- وشاي معاليك اللي بتحبه سكر خفيف وكنية جوو اللي ما يعرفهاش غير اصدقاءك؟ 
كان والد الفتاة قد ذهب مما أعطانا الفرصة للحديث دون خوف من استراق السمع.
- جوو أنا كاتبها على الفيس بوك عندي. 
- والترحاب والحفاوة اللى تؤكد معرفتك بيهم
- صدق أو ما تصدقش أنا فعلا ما اعرفش الناس دي مطلقًا.
- والمرحوم اللي كان بيعتبرك زي ابنه دا ايه ادمن صفحتك مثلا ولّا إيه حكايته؟
- في منطقة في الذاكرة عندي ممسوحة تمامًا مش عارف أقول لك إيه بس انا مندهش زيك او اكتر منك كمان.
- طيب كنت قول لي انك تعرفها وتعرف اهلها عادي يعني مافيهاش حاجة.
- يا ابني والله العظيم انا ما اعرفهمش وما عنديش اي تفسير للي بيحصل ده. 

جاء الشاي تحمله على صينية فضية فاتن الجميلة؛ ممرضة ممشوقة القوام ذات وجه صبوح كإشراق لوزة قطن تفتحت على شمس الصباح، وبقية وصف الجسد الذي بالتأكيد قد وصل إليكم أعزائي القراء كاملًا دون داعٍ للخوض فيه بسرد مكرر ومثلما أتعبتنا دراسة مرهقة لا تكاد تنتهي فإن التمريض دراسة قصيرة الأمد تخرج الفتيات بعدها كل واحدة مشغولة بقرينها الطبيب تتعلم على يديه ما لم يتعلمه كلاهما من فنون القتال في ساحة الجسد الرحيبة. يعرفان مسبقًا أنها علاقة لا تنتهي غالبًا بالزواج لكنها تترك الشريكين على أعتاب خبرة معقولة تؤهلهما فيما بعد لتجربة زواج محتملة كل مع شريك آخر لم يعرفه من قبل. 

كوبان للشاي لي ولصديقي ثم بعد أن وضعت الصينية على طاولة في منتصف مسافة الفضول قالت لي: مش تعرفنا على صاحبك؟

كنت لحظتها أحتاج لمن يقرص وجنتي لأصحو من هذا الحلم السخيف أو وددت لو أنني صرخت في وجهها قائلًا يكفي هذا المزاح الثقيل، ثم صرفت عن خيالي هذه الأفكار وتعمدت أن أجاري الحال. 

- الدكتور سامح زميل وصديق. 

ابتسم سامح نصف ابتسامة ثم ألحَّ عليَّ أن نرحل متحججًا بعملنا الذي تركناه في المشفى فقالت: 
- طيب اشربوا الشاي. 
فقلت لها ملاطفًا: 
- معلش أصل احنا اتأخرنا. 
- ابقى خلينا نشوفك يا دكتور جوو ولَّا انت نسيتنا خلاص ونسيت أيامنا الحلوة؟

نظرت إليها محتفظًا ببعض كياستي مبتسمًا في أدب في حين كان سامح يشدني شدًّا للرحيل حتى كادت قدماي تتعثران. رافقنا أخوها إلى الخارج ولم تقف شفاهه عن توديعي بترحاب حميمي رائق. فتح لي باب السيارة لكنني لم ألاحظ أن الباب الآخر عن يميني قد فتح. انطلقت بسرعة. نظرت لسامح بجواري وسألته كيف دخل إلى السيارة دون أن يفتح بابها، فلم يجبني. وصلنا إلى المشفى في وقت قياسي. دلفنا إلى مكتبنا. جلست وراءه، وكان المقعد دافئًا كأنني تركته لأقل من دقيقة. جاء موظف الاستقبال يحمل بعض الأوراق التي تحتاج لتوقيع. وقعتها وأذنت له بالانصراف، لكن ورقة وقعت على الأرض. أخذتها لأعيدها إليه، ولم يعر انتباهي أن توقيعي كان يحمل اسم سامح! توقعت أن تكون خدعة من صديقي الذي لم أعد أراه مطلقًا. أمرت الموظف أن يطلعني على الأوراق التي وقعتها كلها. فحصتها جيدًا الورقة تلو الأخرى، وأعدت الفحص مرات أخرى حتى سألني الموظف: 
- هو فيه حاجة يا دكتور سامح؟ 
فرددت:
- أبدًا ابعت حد يعمل لي كوباية شاي سكر خفيف.


الإبتساماتإخفاء