أحمد الشنواني يكتب: أشتاق إليكِ


أشتاق إليكِ
بقلم: أحمد الشنواني

نعم، أقصد الذي ورد في أذهانكم عند قراءة هذا العنوان، إنني -ولا أخفيكم سرا- حقا أشتاق إليها، إن كل شيء هنا يذكرني بها، سواء كان له علاقة بها، أو ذكرى معها، أو لأنها في حد ذاتها كانت تحوي المكان بكافة أرجائه وجوانبه العتيقة، ولكني أسمع صوت صديقي يهمس لي في أذني: "هل ما زلت تشتاق إليها؟ هل فعلا ما زلت تحن إليها وتتمنى ولو لقاء قصيرا يجمعك بها؟"، فهممت مسرعا بالرد: "نعم يا صديقي، نعم، بل أحيا على هذا الأمل"، فسألني صاحبي "لماذا يا صديقي كل ذلك؟ أليست فتاة كغيرها من الفتيات؟"، فقلت له لا يا صديقي العزيز، دعني أخبرك ببعض ما يوجد في جعبتي، والحكم في النهاية لك، إنها يا صديقي العزيز ليست مجرد فتاة مثل باقي الفتيات كما ذكرت أنت، ولكنها كانت فريدة من نوعها، حالة عجيبة، تملأ المكان بهجة وسرورا عند حضورها، تسترق جميع الأبصار إليها، حتى الذين كانوا يبغضونها حقدا وحسدا، إني أتلعثم في الكلمات يا رفيقي، ويشرد ذهني ويتيه عقلي حينما أذكر لك لمعة عينيها، التي كانت تذهب بالناظر المدقق إذا استطاع النظر والثبات أمامها إلى وادٍ سحيق مليء بالأسرى المفتونين بها، ولأول مرة أجد اسيرا يفرح بالأسر، لكنني عرفت سبب بهجتهم وسعادتهم، إذ أنها كانت هي التي تأسرهم.

أم هل أحدثك عن رائحة عطرها الذي كنت أتنفسه قبل قدومها بلحظات، وأعلم أنها قد حضرت، وسوف تطل علينا لنزداد نورا وإشراقا منها، هل تعلم يا صديقي العزيز أنني كنت لا أحصي عدد الأنفاس التي كنت أتنفسها بدون استنشاق عبيرها، فلقد كان يشبه نسمات الصباح الغير ملوثة بعوادم البشر.

أم هل أحدثك عن أول لقاء جمعنا، وكانت أول مرة تتاح لي الفرصة أن ألمس يدها عن طريق مصافحتها، فلقد تطلبت هذه اللحظة وجود أكبر الشعراء والأدباء وأهل الرأي لكي يستطيعوا أن يصفوا لك ولغيرك مدى سعادتي بهذه اللحظة، مهما مرت بي السنون لن أستطيع أن أمحو من ذاكرتي لحظة انغماس يدي داخل يديها، أحسست حقيقة وقتها أنني في وطني، وما غير ذلك فهو عدم، وكان لسان حالي المتكلم وقتها كان يقول ها قد جاءتك الفرصة للتشبع من حبيبتك ولو بسلام الأيدي، فاغتنم الفرصة ولا تضيعها، ولكني وجدت بيت القصيد بيني وبينك يا صديقي والتي كانت تذهب بالعقول والأبصار عند حدوثها، ألا وهي ابتسامتها، أعلم جيدا أنك رأيت فتيات كثيرات يضحكن، ولكنني عند التحدث عن نفسي لم أرَ مثل ابسامتها في حياتي قط، ودعني أخبرك شيئا يا صديقي العزيز، إن كانت هذه الفتاة لا تملك من سحر حواء إلا ابتسامتها لكفى، نعم لكفى، كانت عفوية وتخرج منها بدون مقدمات، دعني أخبرك عن أمر ما، هل تعلم يا صديقي أننا كنا نتسابق ونحن نتبادل الحديث معها على من يكون له الملكة ويخرج ابتسامتها؟ ولا أخفيك سرا كنت أنا سعيد الحظ الذي ينال هذا الشرف برسم الابتسامة على شفتيها، وكأن القدر يكافئني ولو ببعض الهدايا القليلة، وهي أنني أراها تبتسم فأحيا بابتسامتها، فرد عليَّ صديقي متعجبا بالقول: ما كل هذا يا أخي العزيز؟ إنني ما سألت إلا سؤالا واحدا، فأجبته: أعلم ذلك، ولكنني سبق وقد قلت لك فيما مضى بأنها حالة فريدة وعجيبة من نوعها، فهل اتضح لك الأمر الآن؟ فبمجرد سؤال بسيط منك عن أمر صغير يتعلق بها، استطردت بالحديث حاكيا وراويا عنها وكأنه قد أتتني الفرصة ولو للحظات لأنعم بذكرها وبطيب الحديث عنها، فأجاب صديقي: حقا يا أخي، لقد استرق حديثك فؤادي، وجعلتني أشعر وكأنني أستمع عن وصف لإحدى فتيات الحور العين، فقلت له لا يا أخي، كلنا بشر، ولكن هناك نوع من البشر مميزون يمتلكون من قوه الجذب ما يدفعك نحوهم دون تفكير أو تعقل، فأجابني صديقي بنعم، معك حق، ولكن اعذرني فيما سوف أقوله لك يا أخي العزيز، فلقد سمعت من بعض الأصدقاء بأنكما قد افترقتما، نعم يا صديقي، افترقنا، ولكني حقا ما زلت أشتاق إليها.