وسام عثمان يكتب: أنا وبالتيمور (١)


أنا وبالتيمور (١)
بقلم: وسام عثمان

"بالتيمور" هي مدينة أمريكية في ولاية "مريلاند"، رحلت إليها من الأزورس عبر المحيط، فاكرينه؟ فقد استمرت رحلة الطائرة عشر ساعات متواصلة فوق المحيط، أزرق من فوق  وأزرق من تحت، شعور متناقض جدا شعرت به، شعور مليء بالتمتع بهذا اللون الأزرق الصافي الجميل، والذي يحيط بنا من كل اتجاه، بحيث لا أعرف هل أطير في السماء أم أسبح في المحيط، يناقضه شعور بالرهبة من حدوث مكروه للطائرة، فهل ستصعد روحي للسماء أولا؟ أم ستسقط جثتي أولا في المحيط؟ وعند إدراك اللحظة قررت أن أستجمع روحي وجسدي لأستمتع وفقط.

تهبط الطائرة.. حقيقة الأمر، كنت أنتظر اللحظة التي سأنظر فيها إليها، إنها أمريكا، القطب الوحيد في العالم، القوة التي تهيمن عليه بكل إمكانياتها، أخيرا، سأنظر إليها عن قرب، سأنظر إليها من داخلها، سأنظر إليها كما يجب أن ننظر إليها جميعا.

في المطار لم نعبر جميعا من بوابات الجوازات، فقد تم حجز رفيقين من الرحلة لمدة تجاوزت نصف الساعة، فهناك شك في أن أسماءهم تتشابه مع أسماء غير مرغوب في دخولها أمريكا لأسباب أمنية، على الرغم من أنها لا تعطي تأشيرتها لأي كائن على الأرض إلا بعد استيفاء كل احتياطات الأمان، ورغم تجاوزنا جميعا اختبارات واعتبارات الحصول على التأشيرة حتى أصبحنا جميعا على أرض الأحلام، إلا أنها تعمل أيضا بمبدأ "الاحتياط واجب"، ما زاد دهشتي هو أنني علمت أن هذين الشخصين في كل رحلة لهما يتم حصولهما على التأشيرة (عادي)، ويتم حجزهما في المطار (عادي جدا برضو)، لو كان لديهما مشكلة لما حصلا عليها من البداية، وبما أنهما حصلا عليها لا يمكن إيقافهما وحجزهما بعد ذلك، وإلا فلم وكيف حصلا على التأشيرة؟! ولماذا لم يتم تدارك هذا العبث وإصلاحه من البداية أو في "سيستم" المطار؟! فين النظام؟ فين التنسيق بين هيئات الدولة؟! فين الحكومة؟ حكومة إيه يا أستاذ أنت بتتكلم عن أمريكا مش مصر. يا راجل! لكنها عقدة الخواجة!!

بعد أن خرجنا جميعا من المطار وركِبنا الباص الذي سيتوجه إلى الفندق، وما إن رأيت المدينة حتى شعرت وبسرعة أنني أمام (البلد البلاستيك)، نعم، البلد البلاستيك، فكما بهرتني "زراجوزا" تلك المدينة الإسبانية الرائعة بكل حيويتها وجمالها وروعتها وروحها من النظرة الأولى كما كتبت عنها سابقا، إلا أنني هنا شعرت بالبلد البلاستيك، المباني لا تنبض، هو في مباني بتنبض يا عم انت؟ آه، تعالى شوف عندنا المباني بترقص فرحة وهيصة وخناقات وغسيل، ده حتى في زراجوزا كانت المباني بتنبض روح وجمال، لكن هنا المباني كأنها "ماكيتات" صامتة، الشوارع والعربات والناس كأنهم صورة جرافيك عالية الجودة، لا مشاعر، لا روح، لا حيوية، لاشيء!

السمنة المفرطة أكثر ما يميز كل من يسكن هذه المدينة، والتي تعتبر شريحة من الشعب الأمريكي وجزءا منه، الأوزان هنا كلها تتعدى حاجز الثلاثة أرقام بكل قوة ومتانة، والشعور الذي انتابني هو أنهم شعب يحبون السمنة! نعم، فكلهم كذلك، وكلهم يأكلون ولا يبالون، بل كلهم يلبسون كل ما يمكن، ولا تقف السمنة عائقا أبدا في مفردات ما يلبسونه، فهناك الـ "استرتش"، ويا له من استرتش في مثل هذه الأوزان! كذلك هناك الـ "جابونيز"، ويا ويحي! هناك الفستان القصير قليل القماش، الـ "بنتاكور"، الـ "برمودا"، الـ "ستومك"، وغيره وغيره، لك أن تتخيل كل هذه الملابس على مصارعي السومو! ويحضرني هنا المثل الشعبي الذي يقول "اللي يشوف إلية غيره، تهون عليه إليته!!".

إلى اللقاء في الجزء الثاني...