حنان العقباوي تكتب: خالتي بتسلم عليك!


خالتي بتسلم عليك!
بقلم: حنان العقباوي

رجل المستحيل، ٤٨ ساعة في إسرائيل، رأفت الهجان، جمعة الشوان، مهمة في تل أبيب، السقوط في بئر سبع، إعدام ميت، الصعود إلى الهاوية، الطريق إلى إيلات، بئر الخيانة، الثعلب، الرصاصة لا تزال في جيبي، إلخ... كل الأعمل الفنية دي ليها "تيمة" واحدة وهي الجاسوسية، والأعمال دي شكلت وجدان معظم المصريين؛ لأنها أرَّخت لفترة مهمة قوي في التاريخ الحديث، وكمان بتجسد فكرة الانتماء الوطني لمصر، وبما أننا دلوقتي في شهر أكتوبر، شهر النصر العظيم اللي كلنا بنفتخر بيه، ويكاد يكون مفيش عائلة في مصر إلا وفيها حد شارك في الحرب أو استشهد عشان يرجع أرضنا، فالتليفزيون بقنواته الفضائية والأرضية بيعرض بشكل مكثف كل الأعمال دي، قنوات الأفلام بتعرض يوميا فيلم عن الجاسوسية بشكل عام أو حرب أكتوبر بشكل خاص، وقنوات المسلسلات بتعرض مسلسل عن الجاسوسية، وبما إني فعلا غاوية قوي مواضيع الجاسوسية، وفتى أحلامي هو أدهم صبري المصري الشهم أبو ضحكة ساخرة ده اللي أطرافه كلها بتتحرك في نفس ذات اللحظة، بفضل أتفرج على كل الأعمال دي وخاصة المسلسلات بدون ملل أو كلل، مع إن اللي يعرفني كويس عارف إني مليش في التليفزيون قوي، بس دايما قصص الجاسوسية ليها سحر لا يقاوم، وخاصة المسلسلات، لدرجة إني ممكن أضبط مواعيد أكلي على وقت عرضها.

لغاية وقت قريب كانت المسلسلات تتعد على الصوابع، تقريبا خمسة لو الذاكرة ما خانتنيش، وهم طبعا "رأفت الهجان" بكل حاجة حلوة فيه، مزيكا وإخراج وتمثيل ومحمود عبد العزيز وإيمان الطوخي وتهاني راشد وكلهم، معلش أصلي بحب المسلسل ده قوي، و"دموع في عيون وقحة"، و"السقوط في بئر سبع"، وبعدين اتعمل مسلسلين وهما "الحفار" وده ما نجحش قوي، و"وادي فئران" وده بقى الحمد لله قوي إنه فشل وإن ما حدش فاكره أساسا؛ لو أي حد عاوز يتعلم إزاي يتفادى أخطاء الجرافيك أنصحه يشوف المسلسل ده عشان خير مثال! ومؤخرا بقى اتعمل ثلاث مسلسلات، وهم "العميل ١٠٠١"، سناء يونس كانت فيه أكتر من رائعة، و"الصفعة"، و"حرب الجواسيس"، وبما إننا في الألفينات فالتجاوزات والمبالغات اللي كانت مقبولة في الأعمال القديمة ما بقتش أبدا مقبولة دلوقتي! يعني مثلا فيلم "٤٨ ساعة في إسرائيل" اللي كانت فيه كلمة السر "خالتي بتسلم عليك" وهو أصلا متصور في القلعة في التسعينات! ماشي، إنما دلوقتي اللي بيحصل في المسلسلات ده عار والله العظيم! وبعدين يعني مش عارفة لغاية إمتى الإسرائليين هيطلعوا دايما مخنِفين وسكرانين ومنفسننين من بعض!

مسلسل "حرب الجواسيس" وكليشيه العَمة! ينفع يعني أحمد صيام يقول لباسم ياخور "تعالى يا حبيبي العمة على التليفون!"، وبالمناسبة الحتة دي ما كانش قصدهم بيها غموض على الجمهور المسكين ولا أي حاجة، عشان كان خلاص كل شيء انكشفن وبان، وكنا عرفنا إن أبو سليم اسمه شلومو كوهين! وبمناسبة كوهين، إيه بقى! هو كل يهودي لازم يبقى اسمه يا ديفيد يا كوهين! مفيش أي "creativity" خالص!

"ماما جولدا"، طبعا كلنا عندنا صورة ثابتة لجولدا مائير، وفي الحقيقة هم في الأفلام والمسلسلات ما تأخروش إن هم يثبتوا الصورة دي بأي شكل، الكحكة والشعر الخشن اللي نصه رمادي في أبيض، والفستان الغريب ده، صورة فعلا مرعبة! بس في مسلسل حرب الجواسيس برضو في موضوع خرافي حصل، طبعا الممثلة اللي عملت جولدا مائير أنا مش عارفة اسمها بس هي والـ "ستايلست" أتقنوا الشكل الخارجي، بس الست بتدلدق حنية، والله ما يصحش كده! أولا كل أفراد الموساد بيقولوا لها ماما جولدا، غالبا كانت بتوزع سندوتشات عليهم كل يوم الصبح! ثانيا بقى بتسلم على واحد المفروض إنه بيدير عملية خطيرة جدا هتكون صفعة للمخابرات المصرية لو نحجت، تقوم الست اللي المفروض مرعبة في اجتماع طارئ بالليل جدا تسلم عليه وتقول له "إزيك يا حبيبي عامل إيه، وحشتني قوي يا شلومو، طمني عليك وعلى أحوالك، رجعت لمراتك ولا لسه!"، أنتم واخدين بالكم من ملابسات الاجتماع؟! وفي نص الاجتماع بيذكروا اسم راجل ومراته (راشيل وعزرا) دول أذرع للموساد في إيطاليا، بتقول له "سلم لي على راشيل كتير قوي!"، إيه يا خالتي جولدا مش كده! وبعدين غالبا هي كبس عليها النوم فقررت تنهي الاجتماع فجأة وقالت "أنا هقوم أنام"، هو أصلا الاجتماع مش في بيتها وهم مش ضيوف عندها! الاجتماع ده في الموساد! وقالت بكل حنية "تصبحوا على خير يا ولاد"، والله العظيم ناقص تقول لهم ما تنسوش تقروا سورة الملك قبل ما تناموا وناموا على وضوء أحسن!وطبعا بقى الكليشيه بتاع الشكل ده، يعني الفنانة رانيا يوسف طالعة طول المسلسل بلبس عادي زي أي ست (هو مش عادي قوي يعني)، وبصرف النظر عن الأداء الأوفر بتاعها، ولما قالت على واحد "بيطفح إمتى" مع إنه مش أسلوب إسرائيليين خالص، بس يا مدام رانيا انتي طول المسلسل لبسك عادي جدا، ودلوقتي  لما جيتي تنفذي عملية وتصفي واحد تقومي تلبسي طقم جلد أسود في أسود وتضربي النضارة السودة والروج والمانيكير الأسود! هو ده يونيفورم العملية! والله كان ممكن يتصفى بلبس عادي!وطبعا بقى أفراد المخابرات المصرية اللي بيتجولوا بكل أريحية في شوارع هامبورج باللاسلكي عشان يعرفوا يوصلوا لبعض، ولما بيراقبوا حد مش بيتنكروا خالص، بالعكس، بيبقوا لازقين فيه كده في ظهره عشان لو احتاج حاجة! وفي الآخر كمان بيزعلوا لما يتكشفوا!!

خلصت مسلسل حرب الجواسيس، هو طبعا الضحك لا يتوقف عند الحاجات دي، بس كفاية كده، نيجي بقى للمسلسل الأقرب لقلبي "الصفعة"، بجد مش هزار محتوى القصة عظيم جدا، وحقيقي القصة دي بطولة تدرس للمخابرات، دول قبضوا على الجاسوس قبل ما يعتب مصر، وحقيقي المحتوى بيدي إحساس بالفخر غير طبيعي، بس ده للأسف المحتوى بس، يعني الخلاصة بتاعة القصة، لأن لا المسلسل ولا الكتاب اتنفذوا بشكل جيد! سيبنا من الكتاب خلينا في المسلسل، الديكور في المسلسل حقيقي غريب، بجد ناقص ألاقي "ما شاء الله" والمعوذتين متعلقين في بيت هيدي كرم اللي بالمناسبة بتعمل دور ميجور في الموساد! إيه يا جماعة مش كده! أمال لو ما كانش في نت وجوجل ممكن تدخلوا تجيبوا صور لإسرائيل وبيوتها في الحقبة دي!

"الضابط أدهم"، مش معنى إني أشدت بدور المخابرات العظيم في العملية دي إن الضابط أدهم اللي هو مسؤول عن العملية يبقى مكشر ومتجهم طول المسلسل، مش كده يعني، ما ذنب المشاهدين!

برضو مش قادرة أفهم ليه في إصرار إن الكفار ومن بعدهم الإسرائيليين يطلعوا دايما سكيرين وعُبط! يعني في المسلسل ده في كباريه كده دايما كل الشلة بتتجمع فيه، شلة كده من سيدة مجتمع وجنرال كبير قوي قوي في الموساد ودكتور جامعة (اللي هو المصدر ٥٥ اللي كان بيعمل لحساب مصر) وهيدي كرم الميجور، ولاحقا بتنضم ليهم ست كده (غادة إبراهيم) بتعرف نفسها إنها سكرتيرة جهاز مسؤول عن صفقات الأسلحة! أنتم واخدين بالكم إن الناس دي بتتجمع عادي وبيقولوا مناصبهم رفيعة المستوى في الجهاز الحساس ده عادي! مش بس كده، دي غادة إبراهيم لما كانت لسه رايحة تسهر معاهم أول مرة قالت إنها مسافرة فرنسا الأسبوع الجاي مع وفد رفيع المستوى عشان يتفاوضوا على صفقة سلاح! حقيقي المصدر ٥٥ ما كانش بيبذل أي جهد لتجميع المعلومات، مصر دفغت فلوس على الفاضي في التدريب! وشريف منير اللي هو البطل اللي إسرائيل بتراهن عليه في المسلسل وما بخلتش عليه في أي تدريب، ده كان بيقول لعشيقاته وأصحابه إن هو مسافر في مهمة برة البلد وكان بيقول لهم إنه ترقى عادي! غالبا عشان يعملوا له "سيربراز بارتي!".

أفلام ومسلسلات زمان برضو لا تخلو من بعض السذاجة والمبالغة، بس لما بنشوفها يمكن بنراعي ضعف الإمكانيات، سواء المادية أو التكنولوجية، غير إن الممثلين كانوا متقنين لدورهم وضعف الإمكانيات ما كانش عائق أبدا، مين ما كرهش إسعاد يونس في دور انشراح موسى مثلا، بس حقيقي دلوقتي سلق البيض والاستهتار في أعمال تاريخية زي دي ليها قيمة بتتجاوز فكرة المتعة البصرية غير مقبول إطلاقا، خاصة مع أجيال تقدر توصل للمعلومة بسهولة، ومش بيخيل عليها الـ أي كلام ده، فيا صناع الأعمال دي استفيقوا يرحمكم الله، وارحمونا، وخلونا لما نتفرج على عمل نكون بنتفرج عشان نعرف تاريخنا ونستمتع في نفس الوقت، مش بعد ما العمل يخلص نجري ندور على القصة الحقيقية! اتقوا الله في التاريخ!