أحمد عبد الغني يكتب: زمن التعليم الجميل


زمن التعليم الجميل
بقلم: أحمد عبد الغني

جيل الآباء الآن تعلم في ظروف مختلفة تماما عن الجيل الحالي، وعلشان كده بيحاول يعلم أولاده بطريقة جديدة مختلفة عما تربى هو عليه؛ لأن ذلك من سنة الحياة، جيل بيسلم جيل، الجيل الجميل اللي اتولد في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين كان تعليمه بسيط، والأهالي كان حلمها بسيط، وهو إنها تعلم أولادها تعليم بسيط وجميل في المدارس الخاصة اللي بتعلم الإنجليزي، أو مدارس بتاعة لغات، أو المدارس التجريبية اللي كانت موضة جديدة في هذه الأيام، كان الأب بياخد أولاده للمدرسة بنفسه؛ لأن موضوع الباصات ما كانش في كل المدارس، ولو موجود كانوا الأهالي بيخافوا جدا على عيالهم، وظروف الحياة كانت مساعداهم على كده، فالأب بيعمل في الحكومة أو في هيئة استثمارية جديدة من بتوع الانفتاح، والأم برضو يا بتشتغل في الحكومة يا إما ست بيت، وبتقدر تدبر وقتها وتراعي ولادها، مش زى اليومين دول، الأب مشغول والأم مشغولة، والمدرسة أو الدادا او الحضانة هي اللي بتربي العيال دلوقتي، ده لو تربوا أصلا! وما كانش فيه كتب خارجية ولا دروس خصوصية ولا يحزنون من أول يوم في الدراسة زي ما بيحصل دلوقتي، الأهالي بيدوروا على الكتب الخارجية من أول يوم في الدراسة، وساعات من قبل الدراسة كمان، وكان المدرسين عندهم ضمير وبيشرحوا، وكان آخرنا كتاب سلاح التلميذ لما دخلنا سنة سادسة ابتدائي؛ شهادة بقى ولازم نجيب مجموع، وكان ممكن تلاقي مجموعات في المدارس بس بعد مواعيد المدرسة، وكانوا بيسموها وقتها مجموعات تقوية، وما كانوش لاقيين حد يدخلها عشان الناس مش مهتمة بيها ومهتمين بأولادهم وبس، والمدرسين كمان كانوا بيراعوا ربنا ويراعوا الطلاب وبيهتموا بيهم، والدروس ابتدت تنتشر تقريبا في ثانوية عامة وبس، لزوم المجموع بقى اللي هيدخلك الطب والهندسة، الأهالي والطلبة كانوا بيفكروا كده، غلابة يا عيني!

لبس المدارس كان غريب، قميص كاروه كبير أو مقلم للأولاد، ومريلة بني وتوكة بيضاء من الشرايط الساتان للبنات، وما كانش في لسه اختراع طوق الشعر، والدولة كانت ابتدت تحس بأهمية التعليم، وعشان كده كانت بتسلم الطلاب في أول السنة الكتب المدرسية وكشاكيل وكراسات الحكومة، وكلنا فاكرين الكراسات دي أم جلدة تقيلة وخشنة ولونها أحمر وأخضر، وعليها على الظهر بتاعها شوية تعليمات ونصايح وواجبات من نوعية (بلدنا جميلة – مدرستنا نظيفة متطورة – طاعة الوالدين من الأشياء التي يحبها ربنا – النظافة من الإيمان)، وده في وقت كانت الوزارة فيه اسمها التربية والتعليم فبتحاول تربي الأول قبل ما تعلم، وطبعا التعليمات دي كانت كذب في كذب وشعارات وبس، لأنها مطبوعة من زمان من أيام طه حسين تقريبا، وتحس إن هو اللي كتبها، كلام مثالي وبعيد عن الواقع وبيضحكوا بيه على الناس، وكانت الأهالي بتنزل بالليل في أول يوم دراسي في هجوم مستمر على المكتبات؛ لشراء الكشاكيل والكراسات والجلاد والتيكيت والمساطر والأقلام والأساتيك والبرايات، في وقت ما كانتش فيه الفجالة معروفة زي دلوقتي، وما كانش في لسه مكتبات كبيرة، وعشان كده كنت تلاقي طوابير وخناقات على المكتبات، وكان المدرسين بيدوا للتلاميذ في أول يوم في المدرسة ورقة طلبات، وكل مُدرسة (ميس يعني) بتدخل الفصل (اللي هو الكلاس) وتقول لنا عايزة ثلاث كشاكيل، واحد للحصة يتجلد بجلاد أحمر وواحد للامتحان يتجلد بجلاد أخضر وواحد للواجب (الهوم وورك يعني) يتجلد بالجلاد الأزرق، وتلاقي الأهالي -يا عيني عليهم- آخر الليل قاعدين يجلدوا الكشاكيل والكراسات بالجلاد الألوان والشفاف أو البني بتاع ورق اللحمة زي ما كانوا بيقولوا عليه، وما كانش في جلاد جاهز زي دلوقتي، ويا سلام على القلم الرصاص أبو أستيكة لما ظهر، كان اختراع والله، لا والاختراع الأعظم وقتها كان القلم الرصاص أبو سنون بتتبدل، كل دول كانوا اختراعات وطفرة وقتها، ويا نهار أبيض لما ظهرت المسطرة الألوان أو الشفافة، وقد إيه الأهالي بيكونوا مبسوطين رغم تعبهم مع أولادهم، ورغم لخمتهم من كتر الطلبات وألوان الجلاد، والعيل يشيل على ظهره شنطة محترمة، ويبقى من تقلها عامل ولا الحمار في مطلع، وينهج ويجيله أتب في ظهره من الكتب والكشاكيل اللي شايلهم... يا عيني علينا، جيل مظلوم من يومه!!