نسرين يوسف تكتب: بيت بيوت (الأصدقاء)


بيت بيوت (الأصدقاء)
بقلم: نسرين يوسف

لنكمل لعبتنا...

تذكرون طبعا أننا طرقنا الباب، وبعد الانتظار أكتشفت أنني ارتكبت غلطة في تحديد العنوان، بعضكم قال لي إنه يخشى ألا نقابل أحدا في النهاية، أنا لم أوضح الأمور من البداية لأنني أفترضت بشكل بديهي أنكم تعلمون أننا في لعبة "بيت بيوت"، نقوم بزيارة مجموعة من الأصدقاء.

ما من صديق وضع كتفه على كتفي إلا وبكى
في وضح النهار
وقلبي نهار
والأشجار
حتى الأشجار تمنّت لو أنها نايات ومشمشها على أمها
والحقول اشتهت المناجل
والربيع مقام

هاني نديم

كم هي جميلة هذه الكلمة! أسمعها فتقفز فكرة السعادة إلى عقلي، سعادة صافية، والعديد من الصور للعديد من الأشخاص الذين ملأوا ويملأون حياتي، و لم أخبرهم يوما كم أحبهم وكم هم رائعون، و لكن، أعرف جيدا أنهم يعلمون.

الأصدقاء يصنعون ابتسامتك، يمسحون دمعتك أو يرسمونها، يدفئون قلبك، يدعمون لحظات جنونك، يساعدونك على الوقوف بعد عثراتك، يقبلونك كما أنت بحلوك و مرك، الصديق قد يضمد جراحك، وقد يجرحك، ربما يمد يد المساعدة، أو يضيع مستقبلك، هناك صديق تعيش العمر معه ثم تضيع علاقتكما في لحظة، وآخر تفترق العمر عنه لتلتقيه، وتشعر وكأنما ما غادرتما بعضكما للحظة، تجد أنكما واقفان على نفس الخط، الصداقة قد تستمر حياة كاملة، أو دربا طويلا، أو قصيرا، أو أمسية لا تتجاوز الساعتين، قد تولد وبجانبك صديق أو صديقة، أو قد تلتقي به أو بها في مقهى أو على "الفيسبوك"، كيفما وأينما وجدت، ومهما كانت العلاقة أو نتائجها، فهي ممتعة، في الصداقة أنت لا تنتظر شيئا، لا تتوقع أو تتمنى شيئا، فقط تعيش اللحظة، وما هي هذه الحياة؟ وماذا نمتلك منها؟ لا شيء سوى اللحظة.

بما أنني أعتبر أننا أصبحنا أصدقاء، سأخبركم بسر صغير، عندما افترقنا كنت أشتاق لكل شيء، له، للهفة، للقاء، لكلمات الأغاني التي كنت أظنها لي وله وحدنا، لرنات "الموبايل" التي تدغدغ قلبي، لصباح الخير، للضحكات، لكل الأحاسيس، وللشوق، ولكن أكثر ما أفتقدته كان صداقتنا، وعلى الرغم من أنني لا أعتبر أي علاقة حب -مهما كانت نتائجها- خاسرة، إلا أنني أعترف بأنني خسرت أهم شيء، خسرت صداقته.
إحدى ميزات علاقات الصداقة، أنها -على خلاف الحب وصلات الدم- تعطينا رفاهية الاختيار.

ما رأيكم في المزيد من اللعب؟ لنختَر، لو كان لك أن تصادق أو تصادقي شخصية تاريخية، فمن ستكون؟ ولماذا؟

أنا سأختار بلقيس ملكة سبأ بنسختها الإسلامية وكما وردت في القرآن، بالطبع أحب أن أصادق نابليون، هلين كلير، بوذا، ماري أنطوانيت، مريم العذراء، إليزابيث الأولى، عبد الرحمن الداخل، والعديد غيرهم، ولكن تبقى بلقيس الصديقة التي أتمناها بشدة، أحب في بلقيس حكمتها، ثقتها وجنوحها للحق، كانت تتربع على عرش إحدى أعظم الممالك في عصرها، بحضارة لا يمكن تجاهلها، وجيش قوي، أشار عليها قادتها بالحرب ضد هذا الغريب الذي يتجرأ ويدعو لأشياء تهدد كيانهم، الملكة كانت سلطتها ممتدة إلى العديد من الحاميات، كل حامية تعبد إلها خاصا، وهناك إله أعظم فوقهم جميعا يجمع شملهم، الإله "شمس" الذي يبارك كل هذه الحاميات، لتعيش في رغد، وليعطي بلقيس السلطة وسبأ الثراء والقوة، بلقيس رأت ما لم يرَه رجالات بلاطها، لم تكن الهزيمة همها، أشفقت على الناس من ويلات المعارك وتبعاتها، ففي الحروب حتى المنتصر مهزوم، فماذا فعلت؟ استخدمت الدبلوماسية وذهبت لأبعد من ذلك، لم تفعل ما نفعله كل يوم، وفعله ويفعله الناس عبر التاريخ، لم تخشَ أن يهتز النظام، ولم تحمِ الجهل المقدس، تخلت عن الإله شمس حين اقتنعت بالحق، وما يقوله القرآن الكريم إنه من بين كل الأمم الذين بعث الله لهم الرسل، شعب واحد دخل في دين الله بدون قتال أو حرب، وكان بقيادة امرأة، كم هو جميل القرآن، وطبعا نحن في الشرق الأوسط العتيد مؤمنون به، صامدون على مبادئنا، محافظون على قيمنا، ونتبع قاعدة "لا يفلح قوم ولوا أمرهم أمرأة"!

والآن، حان دوركم، أخبروني، من الشخصية التاريخية التي ستختارونها؟ ولماذا؟ أتوق لسماع الإجابات، هل يمكن أن تتركوها لي في تعليق؟

قبل أن أنهي مقالي، أريد أن أخبركم أنني أتمنى أن أصادق كلبا.

آه، يا للمفاجأة! انظروا جميعا، ها هم أصدقاؤنا بانتظارنا أمام بيتهم ومعهم كلب، أنا سعيدة حقا.

سنلتقي في المقال المقبل، وحتى ذلك الحين، أتمنى أن تستمعوا بكل لحظة مع أصدقائكم ومن تحبون، وأن تنسجوا معهم أجمل الحكايات.

بتخلص حكاية بتبدأ وراها حكايات
وفرحتنا باللي جاي أكتر كتير من اللي فات