هاشم عبد العزيز يكتب: كحل أكتوبر


كحل أكتوبر
بقلم: هاشم عبد العزيز

رُفع أذان العصر، وخطف الصبي أربع ركعات في وصلة بهلوانية، وتوجه إلى دولابه الصغير، واختار جلبابه الأبيض من بين ملابسه، ووضع جسده الضئيل فيه، وهتف في أمه:

"يلا يامّا، لو اتأخرنا أكتر من كده المغرب هيدخل علينا قبل ما نوصل لجدي".

وجاءت الأم تتمتم بسبحان الله والله أكبر ولا إله إلا الله، وختمت ب "ربنا يشفيك يابا"، وأجابت وعيناها دامعة:

- إيه ده! أنت عينيك حمرا كده ليه؟ طبعا من لعبك الكورة في الشارع من صباحية ربنا.
= هي الكورة بتحمر العينين؟!
- لا، التراب والسباخ اللي بيحمرها يا لمض، روح هات الكحل من على التسريحة علشان أكحلك، على الله عينك تخف.
= كحل إيه؟! سبت النور لسه بدري عليه، انتي عايزة العيال يضحكوا عليا ويقولوا عليا بنوتة!

مسحت الأم بعض دموعها السائلة أسفل عينيها براحة يديها، بعد أن اختفت معظمها من أثر الحديث، واستطردت حديثها لابنها قائلة:

"اللي يضحك عليك اضحك له، واللي يبكي عليك حاول تضحكه أنت، هو الضحك وحش؟ يلا أنت معطلنا، هات الكحل يا ابني، ده النبي كان بيتكحل، وده النبي، ومفيش بعد النبي نبي".

أتى الصبي بالكحل، فوجد أمه تضع أكياس الفاكهة وعلب الزبادي التي يعشقها جده جدا، وترتبها بعناية في سلتها الزرقاء المغطاة بخمار قديم بني اللون شبه بالٍ، ولكن حالته جيدة، مناسب كغطاء سلة، ولا غبار عليه، دس الكحل في سيالة الجلباب، لعلها تنسى ولا تكحله.

يقف الصبي أمام المرآة المستطيلة المثبتة على حائط الغرفة العتيقة بمادة الجبس، يهندم نفسه، ويمشط شعره الطويل نسبيا إلى الخلف مرة وإلى الأمام مرة، واستقر في النهاية إلى تمشيطه جهة اليسار، ومنحه قصة عبد الحليم حافظ، وشرد الطفل يفكر، لماذا يصبح شعره بنيا إذا طال ويبقى أسود وهو قصير؟ فصاحت أمه:

"أنت بتعمل إيه يا عندليب؟ قلت لك هات الكحل".

أخرج الصبي الكحل من سيالته وهو في شدة الحرج لأنها كشفت خطته ومراوغته لها قائلا:

- أنا كنت لسه هديهولك يامّا، بس والنبي حطي شوية صغيرين.
= ألف صلاة عليك يا نبي، تعالى قرب هنا.

رقد الصبي على الأرض واضعا رأسه في حجر أمه وهو يرتعد كالرضيع الذي يبكي عندما يشاهد عملية تجهيز حقنة كالتي يوضع بها هذا الكحل الحامي المبكي، ثم انتهت عملية التكحيل بعد فشل محاولات الصبي في الهروب منها، وسالت الدموع، وغسلت عينيه البنيتين المائلتين إلى اللون العسلي، ثم دفعت الأم رأس الصبي برفق، فاعتدل في جلسته، ونهضت قائلة:

- طس وشك بشوية مايه ونشفه، وما تسرحش شعرك تاني، هو كده كويس، على ما أعلف الحيوان.
= الحيوان أنا علفته يامّا من ساعتها، وزمانه بيشرب مايه وبيلعب استغماية دلوقتي في وسط الدار، خليكي كده اتلكعي والشمس تنزل واحنا قاعدين هنا.

ذهب الصبي إلى دورة المياة، وغاص برأسه في الطشت عدة مرات، ثم ركله بقدمه وانصرف، وجفف نفسه ومشط شعره للمرة الخامسة أو السادسة، ثم خرج إلى الصالة، فلمعت عين الأم قائلة:

- أهو أنت كده كحيل الأهداب.
= (مبتسما) نسيت أعمل لقلبي حجاب، يلا نغني وما نروحش لجدي، المغرب هيؤذن والله.

ضحكت الأم وعانقته، فانتبه الصبي إلى صوت قادم من الراديو، حيث أعلنت إذاعة الشرق الأوسط تمام السادسة.

وضعت الأم سلتها على رأسها وثبتتها بمهارة، وحملت "شوال" أبيض صغيرا تسكنه بطة مسكوفي لطيفة جدا، ولكنها ستُذبح قريبا، إما اليوم وإما غدا، وهذا الأمر يغضب الصبي ويحزنه، ولكنه يخشى أن يعلن عن ذلك فيسخر الناس منه.

خرجا إلى الشارع مغادريْن الدار الكائنة في وسط القرية، إلى دار جده التي تحاصرها الزراعات من كل جانب في أقصى جنوبها، وحاول الصبي أن يخفف عن أمه حمولتها الثقيلة، ولكنها رفضت بشدة قائلة:

"أنا عاوزة هدومك تفضل مضبوطة وشكلك زي ما أنت كده علشان جدك ينبسط منك".

تعجب الصبي من قدرة الأم على حمل كل هذه الأشياء، وكأنها تحمل ريشة من ريش البطة المسجونة في ذلك الشوال اللعين، وتسير ببراعة وكأنها لا تحمل شيئا، فحاول ثانية أن يأخذ منها الشوال قائلا:

"هاتي يامّا عنك شوية علشان ما تتعبيش".

ردت الأم دون أن تلتفت له وقد سقطت حبات العرق على جبينها:

- لا مش تعبانة، امشي أنت بس بالراحة وحاسب على هدومك تتوسخ.
= لا انتي تعبانة وعرقانة أهو، انتي اللي مش عاوزة تتعبيني، أنا بحبك قوي يامّا.
- وانت كمان روحي وعمري كله، بطل رغي بقى واوعى العربيات تخبطك.
= حاضر.

بعد دقائق من المشي في طريقهما إلى بيت الجد، بدأت تندثر البيوت، وظهرت المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية التي لا بناء فيها، اقتربا من بيت الجد، حيث اوجد بعض البيوت المتناثرة، ولكن الزرع هو السيد في هذه المنطقة، مدت الأم يدها اليسرى داخل جيبها وأخرجت منديلا، قائلة:

"امسح وشك كويس وبعدين لمع جزمتك بالمنديل لو عليها تراب".

تناول الصبي المنديل من أمه، وداعب المنديل بوجهه، ثم ألقاه على الأرض، لمح بعض النساء يجلسن على عتبة الدار، وقد نهضت إحداهن وقدمت إليهما، وتوقع أن تكون هي جدته؛ لأنه يعرفها من طريقة سيرها التي تشبه الخطوة المعتادة التي يمشيها الجنود في معسكرات التدريب، اقتربت السيدة، وبالفعل كما توقع، هي الجدة، بدت باسمة مرحبة، قائلة:

"يا أهلا، إيه النور ده، هاتي عنك".

فردت الأم بصوت ضعيف:

"حنني عليا يامّا".

تناولت الجدة السلة ووضعتها على الأرض، ثم أخذت الشوال ونهرت ابنتها قائلة:

"انتي شايلة الشيلة دي كلها لوحدك ليه والحاجات دي كلها ليه؟ انتي رايحة لحد غريب؟ والواد ده ما شالش معاكي ليه؟".

رد الصبي في غضب واضعا يده اليمنى على خده، رافعا يده اليسرى في حدة، قائلا:
"بقالي ساعة بتحايل عليها، أنا هدخل لجدي".

استدعت الجدة الخالات الجالسات أمام الدار لإدخال السلة والشوال، وجلست الأم تستريح من عناء الطريق، ودخل الصبي الدار متوجها إلى غرفة جده، وعندما اقترب من الغرفة سمع جده يدندن مع عبد المطلب "ما بيسألش عليا أبدا"، لم يكن الباب مغلقا، فتحرك الصبي قليلا، فرأي جده راقدا على سريره الحديدي الذي يتصدر الغرفة، ففوجئ الجد بالصبي، فصمت وتوقف عن الغناء، جرى الصبي وارتمى في أحضان جده، وقبل يديه وجبينه الأسمر، واثني الجد على الصبي لجماله وحسن هندامه، نظر الصبي في الغرفة، ولاحظ أن ترتيب محتوياتها قد تغير، وهناك إضافات جديدة، تليفزيون ملون، وراديو بالكهرباء، فتساءل قائلا:

- فين يا جدو التليفزيون الأحمر؟ وفين الراديو أبو حجارة؟
= خالك حطهم في الأوضة التانية وجابلي دول، أصل الدكتور قال له إن العلاج مش هيجيب فايدة طول ما نفسيتي وحشة، ولازم أبطل السجاير، أغير كل شيء كنت بعمله، حتى أوضتي نظامها يتغير وتتجدد.
- الراديو أبو حجارة أحسن من الكهرباء، افرض الكهرباء اتقطعت، هتتسلى أنت بإيه بقى؟
= قول يا ابني لخالك، قول له، والله التليفزيون ده ما ببص فيه غير وقت نشرة الأخبار، الأبيض والأسود كان أحسن والله.
- أنت عندك إيه يا جدو؟ وهتخف إمتى؟
= رحت لدكاترة مصر كلها يا ابن بنتي، ما حدش مريحني، آخر واحد بتاع اسكندرية بيقول لي أعصاب، ولابد تسيب السجاير والحامي والحراق، كلهم عيونهم على جيبك يا ابني، مش على صحتك، الدنيا ما بقاش فيها خير، الله يرحم أيام زمان، وقال إيه يقول لك ما تزهقش. إيه ده! أنت بتسأل أسئلة ياما، قوم دور التليفزيون ده نشوف الدنيا فيها إيه.

قفز الصبي ونفذ أوامر الجد، وأدار التلفاز، فظهر محمد عبد الوهاب، وهذه أول مرة يشاهد التليفزيون الملون في حياته، حيث أوبريت الجيل الصاعد، فضحك الجد قائلا:

"هي العالم دي بتهزر ولا إيه! مال الجيل الصاعد وثورة يوليو بالأيام اللي إحنا فيها! فين أغاني عاش والله أكبر بسم الله وأم البطل! ما لاقوش غير الغنوة دي يعني؟!".

صمت الصبي ولم يعلق على كلام الجد، فتساءل الجد قائلا:

- أنت سكت ليه يا عم رويتر؟ أنت زعلت ولا إيه علشان قلتلك أسئلتك كتير؟ أنا بهزر معاك.
= لا مش زعلان، بس أنا بحب كلامك قوي يا جدو، وبرضو مش عاوز أتعبك بالأسئلة.
- لا، تعبك راحة يا حبيبي، اسأل براحتك، أنا فرحان بدخلتك عليا قوي.
= ربنا يشفيك يا جدي، أنا قلت لكل زمايلي إن جدي شارك في حرب أكتوبر، والأستاذ في المدرسة قال لنا إن الملايكة كانت بتحارب معاكم، هو الكلام ده صحيح يا جدي؟

ضحك الجد وقهقه وصهلل، واحمر وجهه حتى دمعت عيناه، ثم قال:

"أنت بتجيب الكلام ده منين؟! الموضوع ده عاوز قعدة كبيرة قوي".

تنهد الجد، ووضع يده تحت وسادته قابضا على حافظة نقوده، وأخرج منها جنيهين، ورعشة ملحوظة في يديه، قائلا:

"دول اتنين جنيه، هتحطهم في شرابك، تشتري لي علبة سجاير، وتحطها مكان ما هتحط الفلوس دلوقتي، وفي عشرة صاغ جنب التليفزيون، اشتري بيهم أي حاجة ليك؛ علشان لو حد سألك وأنت خارج توري له العشرة صاغ"، ثم وضع يده في جيب جلبابه الصغير وقال: "وآدي يا عم جنيه تاني بحاله أهو علشانك، بس اوعى حد يكشف الحكاية، هنروح أنا وأنت في ستين داهية".

لقد وضع الجد حفيده في اختبار صداقة كاشف، جعله حائرا بين خوفه على صحته، وبين كسب وده الدائم، علاوة على حصوله على "لحلوح" كامل يصرف منه ببذخ أسبوعا كاملا، قطع الجد حبل أفكار حفيده قائلا:

- يا ابني رحت فين؟ بتفكر في إيه؟ أنا جدي زمان وأنا في سنك ده، كنت بقيد له صوابعي العشرة شمع علشان بس أقعد معاه قعدة زي اللي أنت قاعدها معايا دي.
= خلاص يا جدو، أنا هروح، بس خلي بالك، هيشموا ريحة السجاير وهنروح في داهية كده كده.
- بطل غلبة وروح بس، وسيب الباقي عليا.
= حاضر، ربنا يستر.

انصرف الصبي من غرفة جده قاصدا الدكان، ولم يجد أحدا عند العتبة، يبدو أن جدته وأمه وخالاته قد هبطن إلى وسط الدار، أو صعدن إلى السطوح، وصل إلى الدكان، وكادت البائعة أن تغلقه، فتاة عشرينية متوسطة الجمال، عيونها ضيقة كخرم الإبرة، قصيرة القامة، ترتدي فستانا كحلي اللون، و"إيشارب" صغيرا لا يستر إل رأسها فقط، يبدو أنها صنعت كعكة في شعرها، حيث ظهر جزء منها يتدلى من الخلف، فلاحقها قائلا:

- استني والنبي، هاتي لي علبة سجاير، وأي حاجة حلوة عندك هاتيلي منها بعشرة صاغ.
= حاجة حلوة زي إيه؟ هريسة يعني؟ أنا ما ببيعش سجاير لعيال صغيرة، أنت ابن مين واسمك إيه؟
- السجاير دي مش ليا والله، دي لجدي.
= ماشي.

ثم عاد الصبي، وقد أحضر لجده السجائر، وأخذ بتبادل الحديث معه عن الحرب قائلا:

- مفيش بيت في مصر إلا وفيه شهيد ومصاب، لو الملايكة كانت بتحارب معانا ليه سابت الناس دي تموت وما دافعتش عنهم؟ ليه سابتهم  يتكحلوا بهباب الحرب والموت؟ وليه ربنا ساب الناس دي كلها تموت يا جدي؟ وليه الحرب موجودة أصلا.
= مش عارف يا ابني أرد وأقول لك إيه، لما تكبر شوية هتعرف، أكيد ربنا له مراد في كده، والحرب من غير سبب تهور وقلة عقل، ولكن لو الحرب جات لغاية عندك لازم تقف وتحارب حتى لو هتموت، علشان لو هربت من الموت هتعيش ميت، كل اللي يهمني إنك تكون فهمت إن في ناس مستفيدة من قصة الملايكة دي علشان إحنا نسمع كلامهم على طول، ونصدقهم ونمشي وراهم زي العميان، من غير ما نفكر ونشغل عقلنا.
- فهمت يا جدي.
= افتح الباب بقى، كل شيء بقى تمام، والأوضة متبخرة ومتعطرة.
- ربنا يستر وما يكونش حد شم الريحة من الشباك.
= لا ما تخافش، لو حسوا بحاجة كانوا فضحونا أنا وأنت، وروح بقى دلوقتي علشان عاوز أنام شوية.
- تنام إزاي وأمي عاوزة تشوفك؟
= ما هي شافتني وأنت في الدكان يا فالح.
- (ابتسم الصبي ابتسامة حب ورضا): حاضر يا جدي، مع السلامة. وهم بمغادرة الغرفة.
= (استوقفه جده): عاوزك ما تخافش من حاجة، لما الحرب فُرضت علينا، كل الناس كانت بتهرب من الجيش وتهج على الغيطان، وأنا رحت سلمت نفسي، وقعدت أحارب خمس سنين، وأديني عايش قدامك أهو، وفي عز الحرب والخطر عمري ما خفت مرة واحدة، لو خفت كنت مت، عاوزك تعرف إن أول ناس استشهدت من زمايلنا هم اللي كانوا خايفين، ماتوا في أول دقايق من الحرب لأنهم خايفين، هي دي نصيحتي ليك، اوعى تخاف، إياك تخاف.
- حاضر يا جدي، مش هخاف، مش هخاف أبدا، عمري ما هخاف.