السر الأعظم.. أعظم إبداعات مصطفي محمود



السر الأعظم .. أعظم إبداعات مصطفي محمود

بقلم: محمود ماهر



ليس إنساناً من لم يتوقّف يوماً في أثناء عمره الطويل ليسأل نفسه .. من أين وإلي أين وما الحكاية، وماذا بعد الموت، أينتهي كل شئ إلي تراب .. أيكون عبثاً وهزلاً أم أنها قصة سوف تتعدد فصولا، أكان لنا وجود قبل الميلاد، وماذا كنت قبل أن أولد، ومن أنا علي التحقيق.. وما حكمة وجودي، وهل أنا وحدي في هذه الغربة الوجودية، أو أن هناك من يراني ويرعاني ويعتني بأمري !
رغم حجمه الصغير وعدد صفحاته القليل، إلا أنه من أعمق الكتب الذي أقرأها لمصطفي محمود، يتكلم فيه بأسلوب غاية في العمق لا يستوعبه إلا من كان له باعاً طويلاً في القراءة لهذا الكاتب الثري.
إننا كلنا نكتفي بالاعتقاد بأن الله موجود، ونقف عن تلك المرتبة من الاعتقاد فلا نعدوا إلي ما هو أعلي منها، يحاول مصطفي محمود أن يأخذنا إلي مراتب أعظم وأجلّ .. يأخخذنا في رحلة إلي معرفة هذا الرب .. ما هو ؟ ولماذا خلق ما خلق ؟ وما حقيقة العلاقة بين الحق والخلق، وبين العبد والرب ؟ وما علاقة الكثرة بالواحد ؟ وكيف خرجت الكثرة عن الواحد ؟ وما علاقة الله بأسمائه؟
الكتاب يعدّ مقدمة مهمة وضرورية جداً لكل من أراد أن يسير في طريق التصوّف، ولكل من ابتغي القرب من حضرة الإله.
نحن وقد عرضنا عرضاً يسيراً لفكرة الكتاب، ففي السطور القادمة نحاول أن نبدي رأينا في كل موضع يستدعي التعليق والتهذيب.
وابن الفارض من فرط حبه يتعذر لكل الناس عن ضلالهم قائلاً علي لسان ربه:
وإن عبد النار المجوس وما انكفت
كما جاء في الأخبار في ألف حجة
فما قصدوا غيري وإن كان قصدهم
سواي وإن لم يُظهروا عقد نية
رأوا ضوء نوري مرة فتوهّموه
ناراً فضلوا في الهدي بالأشعة
- هل من أسماء الله: المعز والمذل ؟
نحن إذا ذهبنا نقتبس اسماً من كل فعل وجب علينا أن نسمّي الله بـ"القاتل" (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم) و"الرّامي" (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي) .. ولست أعرف هل يحرُم ذلك أم يجوز، لكن إذا أخذنا بالأحوط فواجب علينا أن ننتقي من الأسماء شئ غير التي ارتضاها الله لنفسه صراحةً مثل "الأوّل" (هو الاول) و"الحكيم" (إن الله عزيز حكيم) و"العليم" (إن الله واسع عليم)  .. وهكذا
ويصفُ العارف لحظة كشف الحجاب قائلاً:
زُجّ بي في النور وأفناني النور وأفني كل شئ فما عدت أري سواه
- ليس هناك غير الرموز .. فقط الرموز
يقول ابن عربي بأن الكون ما هو إلا مجموعة أوهام وخيالات، وهو عبارة عن رموز وإشارات كلها تعبر وتدل علي الله، و"لولا سريان الحق تعالي في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجوده، ومحال أن يظهر في العالم شئ ليس له مستند في الجانب الإلهي" وفي ذلك يعبر الصوفي عن ظهور الحق في عين الخلق بكلمة "هو لا هو" (أي هذه صفاته وأسماؤه لا ذاته) ويقول عن نفسه "أنا لا أنا" (بل هي ذات الله من ورائي في الخفاء تعمل وتكشف عن نفسها في ذاتي) ، وفي ذلك يقول الله لنبيه "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي" فأسند الفعل إلي ذات نبيه ثم نفاه وأسنده إلي ذاته في نفس العبارة، ومعناه أن المخلوق له نصيب من الفعل كما أن الله له نصيب من الفعل.
وعلي ذلك يقول ابن عربي في أعظم وأعمق العبارات التي قرأتها، يقول علي لسان الذات الإلهية:
"كن كيف شئت فإني، كما تكون أكون"
وفي ذلك يقول أيضاً:
أنا لغز ربي ورمزه
أنا الصدفة التي تخفي اللؤلؤة (أي الهيكل الطيني الذي يخفي داخله الأنوار الإلهية)
أنا القمر تتجلي فيه الشمس (وشمس الإنسان ربه)
أنا الظل الذي يلقيه السراج في عالم الامتداد والإمكان (والسراج هو الله وعالم الامتداد والإمكان هو العالم المادي أي الكون)
ويقول الإمام أبو العزايم:
من انا والكيان يشغل قلبي
جاهل بالمقام حلف الذنب (أي حليف للذنب)
ويُعقّب مصطفي محمود:
لا ثنائية ولا تضاد بين اختيار الرب واختيار العبد .. فقد اختار الرب للعبد ما اختار العبد لنفسه فأصبح قدر الله وقضاؤه هو عين حرية العبد وطبعه وحقيقته.
في مسرحية "مأساة اوديب" معالجة علي احمد باكثير اجد فقرة تتسق مع هذا المفهوم، حيث يقول اوديب: أنا اليوم.. الان.. الساعة مختارٌمختار، أقدر أن أقولها وأقدر ألا أقولها، فياليت شعري أي هذين القدر.. إن قلتها كان هذا هو القدر، وإن لم أقلها كان هذا هو القدر، و لكنّي لا أدري الآن .. لا أعرفُ الساعة أيّهما.. أيّهما هو القدر ؟ بلي إني لأدري ذلك.. إن القدر الآن مطويٌّ في يميني.. بيدي أن أجعله نعم، وبيدي أن أجعله لا.
عندما يلتقي الصوفيّون بالفلاسفة !
إن ما يقول به ابن عربي وثلة من العارفين من أن الله واجب الوجود (أي أن افتراض عدم وجوده يسبب تناقضاً منطقيّاً) فهو عين الوجود، وبقية الموجودات في الكون إنما هي صور عن ذاته وصفاته تعالي، بلا حلولية (الاعتقاد بأن الله يحل في بعض بني الإنسان) ولا واحدية (الاعتقاد بأن الكون والله حقيقة واحدة "الكل هو الله")، فهذا هو "برهان الصِدِّيقين" (شرح برهان الصديقين: https://goo.gl/XdEClf وhttps://goo.gl/2qErsK) الذي قال به "مولا صرا الشيرازي" ومن قبله ابن سينا ، وإنني دائماً لأتعجب؛ كيف يصل الصوفيّون والعرفاء إلي نفس الغاية التي يصل إليها الفلاسفة والعقلاء.
ولا يستطيع أن يستغني أحد منهم عن الآخر، فالأول قد امتلك زمام البراهين الشعورية والتجارب الذاتية، والثاني قد أحاط بالبراهين المنطقية والدلائل العقلية، فكلاهما ناقص دون الآخر.
يقول أبو العزايم:
آه إن كشف الحجاب
واحتست روحي الشراب
يظهر الغيب المصون
فأري العجب العجاب
آهٍ إن فكّوا الرموز
يظهرن لب اللباب
وأري أنِّي صورة
جُمِّلت بالانتساب
رسول الله لم يمُت !!
"فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين"
استدل بهذه الآية علي أن حياة الرسول دائمة وسارية عن ربه !
والفكرة غريبة، لكن الآية لا تدل عليها من قريب أو من بعيد كما زعم ، وكذا "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" لا تدلّ بتاتاً علي أن حياته دائمة وسارية عند ربه، حتي آية "واذ اخذ الله ميثاق النبيين لما اتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ااقررتم واخذتم على ذلكم اصري قالوا اقررنا قال فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين" لم تُشر أبداً إلي تلك الفكرة.
الروح في الجسد مثل الشمس في ماء البئر تظهر فيه دون أن تتحيز .. كذلك النور الرباني
كيف تُصبح صوفيّاً ؟
أورد المؤلف الطريقة التي تصبح بها متصوّفاً، "الطريق إلي الطريق" .. قال:
والإعداد لهذا الفضل العظيم يكون بـ التخلية: أي إخلاء النفس من الأغيار .. من كل ما هو غير الله
ثم التحلية:
تحلية النفس بالذكر الدائم والعبادة والعمل الصالح والبر والخير.
ثم التعلق:
حب الله والتعلق به
ثم التخلق:
التخلق بأسماء الله الحسني .. فيحاول المريد أن يتخلق بأكبر قدر من هذه الأخلاق الإلهية
ثم التحقق:
والتحقق هنا ليس تحققاً بالربوبية فهذا مستحيل وإنما التحقق المطلوب هو التحقق بالعبودية الكاملة وصفاتها الافتقار .. والاحتياج والخشوع والخضوع
يقول ابن عربي عن بداية سيره في الطريق:
خرجتُ عن كل ما أملك خروج الميت من أهله وماله.
"وبذلك يكون زهد العارف مختلفاً تماماً عن زهد الهنود أو زهد رهبان الصوامع فهؤلاء يقتلون نفوسهم ونحن نحييها. هؤلاء يقتلون الشهوة والهوي ونحن نختار لها أحسن مصارفها .. وهذا هو اختلاف الطريق الإسلامي عن أي طريق."
"والزكاة وسيلة تصفية وتجرد لأنها خروج للإنسان عن بعض ماله والزكاة رمز لعرفان المالك الحقيقي والمتصرف الحقيقي وهو الله فهي خروج بالنفس من دعواها.
وكذلك الصوم تجرد عم اللوازم الجسدية.
وكذلم السجود تجرد عن الـ أنا ودعاويها وكبريائها."
عن فصل "الحب الإلهي" !!
فصل "الحب الإلهي" كان مدهشاً ! وددت لو أقتبس كل كلمة وكل جملة وردت فيه .. كلام من ذهب !
في بداية الفصل كتب يقول:
"الحب هو الصنم المعبود في هذا الزمان.. هو اللات والعزي وهبل في جاهلية هذا العصر تذبح له القرابين من دم الشباب ووقته ووعيه وتحرق بخوراً في هذا المحراب الضبابي.. وهو تجارة أصحاب الجيوب ومضيعة أصحاب القلوب.. وهو من أخطر المفاهيم التي زيّفها العصر فعرضته وسائل الإعلام مشوّها. مريضاً في الأغنية والرواية والسينما والمسرح والتليفزيون لا يكاد يخرج عن مراودات بين أنثي وذكر وتأوهات تحت ملاءة ومحاولات رجل لاصطياد زوجة رجل آخر، لا يشغل باله المؤلف طول الوقت إلا كيف يصل إلي الفراش، ولا يشغل بال المخرج إلا كيف يعرّي جسم بطلاته.."
ثم مضي في تعريف الحب تعريفاً صحيحاً، فقال بأن له أنواع:
الحب الجنسي:
يقول ابن عربي إن الحب الجنسي حجاب علي ما وراءه من حقائق وإنه لا يروي غليل صاحبه ولا يفي بما يقوم في النفس من تعلّقها بالمحبوب، وهو كشرب ماء البحر المالح.. كلما ازداد الشارب شرباً ازداد عطشاً..
فـ"إحباط الجنس وملله وضجره هو أيضاً إشارة إلي أنه.. ياعبدي ليس هذا محبوبك لقد أخطأت الطريق.. عد إلينا"
الحب الطبيعي:
وأعلي من الحب الجنسي، الحب الطبيعي الذي يتوجّه إلي جميع الصور الجميلة من نساء وفراشات وزهور.
الحب الروحاني:
وأفضل من الحب الطبيعي، الحب الروحاني الذي يحب الموضوع لنفسه ولجوهره لا لأنه يستمد منه لذة فهو يحب ولو كان الطرف الآخر يهجر أو لا يعطي فهو لا يفكر في لقاء أو مكالمة أو مصاحبة، والتعلق عنده متجرد من النفع والمادة وإنما هو أشبه بالاستغراق والتأمل.
الحب الإلهي:
وأعلي منهم جميعاً، الحب الإلهي الذي يتوجه الشوق فيه إلي أصل كل شئ وصورة جميع الصور: الله تبارك وتعالي.
حب الوطن وحب الأم وحب الفن وحب الجمال وحب الحقيقة.. كل هذه أقنعة وأسماء لحب الله
فالواحد منا يقول أنا.. وما أخذ هذه الأنا إلا استعارة من ربه.. فكل شئ مردور إلي الله في النهاية.. والله هو الوحيد الذي يحق له أن يقول أنا علي سبيل الأصالة فما أخذ هذه الأنا عن أحد.. وإنما هي له علي سبيل الوجوب.. وهي لنا علي سبيل السلفة والإعارة(الإمكان)
ولا يستغرق حب الرجل بالكلية إلا المرأة لأنها أكمل مظهر ولما بينهما من تناسب فهي مخلوقة مثله علي الصورة، ومن ثم كان يقابلها بكل أجزائه الجسدية المناسبة.. ولهذا كانت فتنة حتي يكتشف فيها الصوفي.. الرمز ومنصة التجلي.. وأنها قناع وحجاب علي ما وراءها وأنها مجرد نافذة إلي ما وراءها ثم يهتدي إلي ما وراءها
يقول ابن الفارض عن الذات الإلهية:
جري حبها مجري دمي في مفاصلي
فأصبح لي من كل شغل بها شغل
فإن حدثوا عنها فكلي مسامع
وكلي إن حدثتهم ألسن تتلو
وإن ذكرت يوماً فخًروا لذكرها
سجوداً وإن لاحت إلي وجهها صلوا
يقولون لي صفها فأنت بوصفها خبير
أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا
ونور ولا نار وروح ولا جسم
تَقدَّم كل الكائنات حديثها
قديما ولا شكل هناك ولا رسم
وقامت بها الأشياء ثم لحكمةبها
احتجبت عن كل من لا له فهم
هو الواحد في ذاته المتكثّر بصفاته وأسمائه وكلماته المحتجب من فرط ظهوره كسواد العين لا يري من فرط قربه
هل هناك خلودٌ في النّار ؟
بالنسبة لأمر الخلودفي النار، فلا يوجد خلود وإنما هو مكثٌ طويل، ولا معقولية للعدل الإلهي حينما يجازِي المذنب بالعقاب الأبدي عن ذنبه المحدود المؤقت .. في هذا الفيديو، يحاول أحمد سامي إثبات أنه لا خلود في النار: https://goo.gl/NtA6OE
وأما عذاب القبر ففيه كلام وهناك من نقضه من المعاصرين أمثال أحمد ماهر وإسلام البحيري وغيرهم، لكن لم أتعمق في الموضوع حتي أبدي رأيي فيه.
والعكس صحيح أنه في حالة تدنّي النفس إلي أوحال الجسد المادية واشتغالها بإشباع شهواته فإنها تثقل وتعتم وتجانس الجسد في كثافته وظلاميته وغلظته وهذا معني ظلم الإنسان لنفسه
في نهاية الكتاب كتب يقول:
ولمن يقول إنه لا يفهم شيئاً نقول:
لو أحببت كما أحببنا لفهمت كما فهمنا.