أحمد رجائى - جدران الماضى


" جدران الماضى "

أحمد رجائى 

بعد أعوام من الفراق .. أعود إليكى يا جدران بيت جدتى ..
نعم طالت قامتى بعض الشيئ ؟؟
طالت أيضاً ذقنى بعض الشيئ .. لا لم أعد أدرس .. لم أعد أبكى مرتمى فى أحضانك .. لم أعد بريئ ..
أنتى أيضاً تغيرت ملامحك .. لم يتبق منك سوى بقايا  مما خطته يداى فى عمر الأربع سنوات .. أنسيتى كم عوقبت بسببك .. "لا تكتب على الجدران و إلا .... " قالت أمى ذلك مُدافعة عنكى .. مع إننى أعلم كم كان إستمتاعك بكلماتى المكتوبه بخطى القبيح .... البرئ ..
تعلمين .. لقد ماتت جدتى .. لا لم أقصد .. أعلم أنكى تأنين لخبر موتها منذ خمس سنوات ..
أقصد لقد ماتت جدتى لا عندما غادرت الحياه و لكنها ماتت عندما أوصدوا عليكى الباب بذلك القفل اللعين  ..
لما تركتيهم يسلبون حريتك ؟؟ .. لقد أطاحت تلك العُزله بملامحك الأصليه .. ولولا رائحة جدتى الطيبه التى لا زالت تُعطر بيتها .. لظننت أننى ضللت البيت ..
أتعلمين .. لم أجد مكاناً فى العالم أجمع به ذلك الدفئ المنبعث منك و لم تمنعه حتى خيوط العناكب .. بل ذلك السحر المخدر لكل آلامى و أوجاعى .. هى ذى رائحة جدتى الطيبه ولكن .. 
أين يداها الحانيه كى تمسح دمعاً عمره ثلاثة عقود من الزمن .. ضاقت بى الأراضى يا جدتى و السماوات عِندكِ براح .. إشتاقت آلامى إلى أن تُقتل إثر إبتسامتك .. إشتاقت ضلوع صدرى لأن تسكن حضنك .. 
أتذكرين يا جدران عندما إختبأت خلفك خوفاً من أمى ؟؟
أتذكرين عندما إلتففت لاهياً فى تلك الستائر التى كانت تحجب نور الشمس الآتيه من تلك النافذه التى أغلقتها الأبنيه الشاهقه المقابله حديثاً ؟؟
أتذكرين وقتما أسندت ظهرى عليكى باكياً رافضاً عودتنا و أمى للمنزل ؟؟
أين دراجتى و دميتى و ألعابى ؟؟
أين طفولتى ؟؟

جدتى "متألماً بشده"
"يلتقط بروازاً به صورة جدته و يحدثه"
أتذكرين يا جدتى شموع ميلادى اللاتى جمعتيهن على مدار عشرين عاماً ثم قدمتيهن لى كهدية العام الواحد و العشرون ؟؟ 
كيف لم نلاحظ إحتفاظك بهن طيلة كل هذه السنين !! 
كيف إستطعتى أن تجعلى تلك الشموع هى الأسمى و الأغلى بين هداياى ؟؟
كيف إستطعتى أن ترسمى البسمه على وجهى حاضرةً و غائبه .. 
أتذكرين ذلك الركن ؟؟
رويتى لى طيلة طفولتى أنه المفضل بالنسبة لك و الأقرب من قلبك .. هنا قصصتى لى شبابك و صنعت نصائحك شبابى .. 
هنا رميتى بذرة الحب بداخل قلبى ولن تلحقى موسم قطفها .. و بقيت أنا كالشجرةِ التى لا تجد من يقطف ثمارها حتى تعفنت تلك الثمار على الأغصان و ذبلت الأوراق و تساقطت مطعونة فى الظهر ..
هنا غنيتى لى يا جدتى .. أتذكرين ؟؟

هنا بكيتى سرَّا عندما بكيت و تعالت ضحكاتك عندما إبتسمت .. هنا أخبأت قلبى النازف ذو الثالث و العشرون و بكيت .. هنا أذقتينى الحنان شهداً حتى إرتويت .. هنا صرختى فى وجهى لأول مره "أنت لم تفشل" 
و هنا صليتى لأجل نجاحى 
و هنا صليتى أن يرحل مرضى
و هنا صليتى أن يُجبر كسرى
و هنا صليتى كى يُرفع قدرى 
و هنا صليتى و هنا صليتى ....... 
و هنا فى قلبى يا جده بقيتى ..
أتذكرين يا جدتى حينما سمعتك تهمسين فى صلاتك داعيه أن يمتد عمرك لتحضنينى فى بيت عُرسى ؟؟ 
و تعجبت وقتها حينما صاحبت دموعك تلك الدعوات .. إنتفضت روحى حينها و سألت الله ..
ربى .. أمن الممكن أن يتم عُرسى من دون بسمة جدتى و حضنها الدفيئ !!  ..
ربى .. أمن الممكن أن تُحرم جدتى من أسمى أمانيها !! .. 

ماتت جدتى أيتها الجدران .. ماتت تاركةً لى أشلاء أمانيها .. ماتت تاركةً لى ثأراً لم أقوى على أخذه .. فأتيت إلى هنا تجتر قدماى عار الثأر عارين .. متِ مهزومة مبتسمه بطعنة ذلك المرض اللعين .. ثم آتانى غير مُرحباً به مبتسماً كى يذيقنى ما لم تتلذذينه يوماً .. فطعننى نفس الطعنه المُختَصِبه لكننى لم أقوى مثلك على الإبتسام وقتها ياجدتى ..
ما السر الذى جعلك تتحملين ما لم يُحتمل و تبتسمين راضيه دون التلفظ بلفظة آنين !!
أخبرينى يا جدران البيت .. يا جدران الماضى الحبيب .. إفشى لى هذا السر .. أخرجى عن صمت الحجاره الممقوته وتكلمى .. تأوهى عنى و تأننى .. إصرخى بالسر حتى ولو شفقةً علىّ .. فأنا يتيم تلك الجدة الباسمه دوماً أصبحت أكثر مخلوقات الأرض حاجة لأن .. أبتسم ..
أتذكرين عشقى للنوم فى فراشك هذا يا جدتى ؟؟
و ها أنا آتى إليه باحثاً عن راحتى المفقوده و عن .. بسمتك
"يتألم و يحتضر فيصعد السرير و ينام مكان الجده و هى بحتضر"  
لا .. لا تبكين يا جدران .. كونى مِرآةً لإبتسامة جدتى .. أيا ركن الماضى .. بالله لا تنس الماضى .. عدنى بأن تروينى و جدتى للمستقبل ..
و أنت يا عطر الذكرى الخالد بالله لا تفنى .. إبق حامياً للذكرى و لا تمل الوحده و إنتظر .. 
مرحباً يا فِراش ميلادى .. يا أول من إحتضننى بعد يد جدتى فى هذه الدنيا .. يا أول من أسندت ظهرى عليه .. يا من نمت و حلمت و مرضت و شفيت عليه .. هل لك أن تعطينى بسمة جدتى .. 
أيا فِراش ميلادى .. هل لك أن تكون فِراش موتى ؟؟
"موت"


الإبتساماتإخفاء