محمد عبدالغنى - أولاد حارتنا وصكوك الغفران


أولاد حارتنا وصكوك الغفران

بقلم: محمد عبدالغنى


لم اشعر بهذا الولع من قبل مع اي كتاب حملته بين يدي, فمنذ ان كنت صغيرًا وانا احلم بهذه الرواية علي وجه التحديد, وكلما ازداد الحلم بداخلي كلما خشيت المواجهه, شعرت ان هناك حاجز قد بني بين هذه الرواية وبين كل عاشق للادب, ولذة المعرفة بسبب بضعة عقول لاتحوي سوي الظلام 
وبين طيات فرحتي وانا احمل رائعة نجيب محفوظ بين يدي, اصبت بغصة من الحزن في قلبي عندما رايت احد صكوك الغفران علي ظهر الرواية لتبرئة نجيب محفوظ, وكأن الابداع اصبح جريمة, وكل فكر محظور ان لم يتقبله كهنة العصر الحديث .
بضعة كلمات ستجدوها مكتوبة علي غلاف الرواية من الخلف, قد تقاضي ثمنها من دار النشر محمد سليم العوا,  واني لااراها سوي صك غفران من العصور الوسطي اتي ليختم علي الفكر والعقل, ويصبغه بالجهل وكأننا نأبي أن نترك أي شئ من دون تشويه .
ودعوني اخبركم بالحقيقة كما هي بعيدا عن التجميل والتزييف الذي تم لامتصاص غضب المجتمع, او ربما لقناعة نجيب محفوظ ان عقلنا لم يدرك بعد المرحلة التي يفكر فيها بحرية, ويخرج عن تقاليد توارثها جيل بعد اخر حتي اصبح يحي حياة اشبه بالموت, تحكمها عادات وموروثات من سكنوا القبور .
في الحقيقة وبلا اية صكوك غفران ان رواية اولاد حارتنا, لاتتحدث عن حارة وصراع عن وقف ومنزل يملكه الجبلاوي فالامر اكبر من ذلك واعظم .
قرر نجيب محفوظ في هذه الرواية ان يتناول سيرة الانبياء وبداية الخلق بشكل مختلف ومبسط, بروح الحارة المصرية التي لطالما اجاد التحدث عنها, نعم هذه هي سيرة الانبياء واؤكد لكم ذلك, وكل شخصية في هذه الرواية حملت قصة لنبي, الي ان اتي عرفه الشخصية الاعظم في نهاية الروايه, والتي لو قرأتموها لعلمتم من هو عرفه .
ولكنه عرض وجهات نظر متعدده وكأنه عاش في هذا العصر, ان المفكر لم يخلق ليموه فكره حتي يتماشي مع الجهل, ولم يخلق ليصلب في ظلمات العقل, ان المفكر خلق ليبدع وحتي وان اختلفنا معه فالفكر يواجه بالفكر .
ولن انسي القشعريره التي انتابتني وانا اتابع الاحداث, وانا اري كل العصور تتجسد امامي وتسيل الاحبار من قلم نجيب محفوظ, لتصبح اشخاص من لحًم ودمًا تحمل بين طياتها تاريخ البشرية بأكملها وحكمة سنوات مضت . 
عارا علينا ان نجرم الفكر اونمنحه صك غفران لتمويهه, فهذا العمل علي وجه التحديد اعظم من ان يقرر مصيره كهنة العصر الجديد .


الإبتساماتإخفاء