"أيقونات الإدراك" للكاتب المهندس محمود الهايشة بقلم الأديبة سناء أبو شرار



 "أيقونات الإدراك" للكاتب المهندس محمود الهايشة.. بقلم الأديبة سناء أبو شرار

حين يجتمع الأدب والعلم ثم الثقافة فماذا تكون النتيجة؟ وهذا الكتاب هو نتاج لهذه العناصر الثلاث مع إضافة الأدب لهما حيث أن الكاتب قد أفرد عدة صفات للرواية والشعر والنقد.

" بالتسامح يقوى ويتطور الجهاز المناعي للأفراد والمجتمع" أحد عناوين الكتاب والتي بحد ذاتها تصلح لأن تكون موضوع كتاب كامل، ولكن الكاتب إختزل مفاهبم ومعاني عديدة ضمن 229 صفحة من كتابه.

ورغم كون الكاتب مهندس وله أبحاث علمية عديدة إلا أنه يبدو ضليعاً في عالم الأدب بتحليله وإنتقاده للشعر والرواية وإختيار مقولات عميقة حولهما :" ليس كل ما هو سلبي سيء...وليس كل ما هو إيجابي حسن!!" متحدثاً عن سرقة الأفكار والكتابات الأدبية :" كأن المبدعون قد ماتوا جميعاً في بلادنا، ولم يعد أمامنا سوى نقل أفكار الغير من الغرب." وهي مشكلة حقيقة ولهاجذورها في المجتمع الأدبي العربي بل والإقتصادي أيضاً.

وقد شمل الكتاب على مقالات متنوعة علمية طبية تعليمية حتى التطرق إلى "آفة الدكتوراة العربية...أرقام وأقوال لها معنى!!" وبكون شهادة الدكتوراة أصبحت كذلك سلعة للبيع وبأنها شهادة للوجاهة والترقي وليس للكفاءة العلمية وقد ذكر ذلك الدكتور مصطفى عبد الرازق بصراحة وبصدق بقوله:" حصلت على الدكتوراة لا لشيء سوى هدف واحد هو الوجاهة الإجتماعية."

ولم يكتفي الكاتب بمقالاته العلمية والأدبية بل تطرق إلى العنوسة، والحب فلا سبيل للتقدم والرقي إلا بقيمة الحب! مقولة صحيحة وأثبتتها جميع الدراسات العلمية والإجتماعية ولكن من منا يستطيع تطبيقها فعلياً بحياته وعلى مستوى عالٍ من الرقي!

أما عن الثرثرة الإلكترونية فهو سبب من أسباب إندثار أحد فنون الأدب والفكر ألا وهي فن التراسل؛ لقد أفرد الكاتب مقال كامل حول هذا الموضوع الهام جداً والذي أسهم بالأمية الفكرية العربية بشكل تراجيدي وخطير وياحبذا لو أن الكاتب يُفرد مقالات أخرى حول هذا الموضوع الهام والذي تتجاهله عن قصد وسائل الإعلام كي تزيد نسبة المشاركات والمشاهدات وبالتالي الأرقام الربحية على حساب ثقافة وتطور الفكر العربي .

"هل يستوي العقل المرتب والمنظم، بالعقول الخاوية أو المليئة بالكراكيب" مقولة رائعة وتجعلنا نختصر كلمات كثيرة حول الواقع الفكري العربي والذي نتيجة له تراجعت الدراسة والأبحاث وكذلك المستوى الفكري للمواطن العربي:" فما بالنا بأننا لا ننتج المعرفة من الأساس، فلنا أن نتصور وضع الإنسان العربي بين بني البشر على ظهر الأرض!!" تساؤل خطير لابد أن تطرحه كل مدرسة وجامعة ووزارة في الوطن العربي، لأننا أصبحنا شعوب مستهلكة تقضي أكثر أوقاتها في الأسواق والمقاهي ولا وجود لها في الصروح العلمية.



ثم وفي مقال آخر يتطرق الكاتب لموضوع الجنسية المصرية والتنازل عنها وهو موضوع لا يخص مصر بل جميع الدول العربية، ففئة كبيرة من العرب يتناولون عن جنسياتهم ليس كرهاً بها ولكن لأن هذه الجنسيات لم تعد تقدم لهم أي نوع من الضمان الإجتماعي أو الإقتصادي خصوصاً بعد التقدم في العمر فيصبح الإنتماء أكبر حيث يوجد ذلك الأمان الشخصي والعام.

وقد لفت إنتباهي مقاله النادر حول أن النرويج لديها أكبر مخزون للحبوب في العالم فهو خبر أو مقال مميز وهام ولم أقرأ عنه من قبل وبه إفادة علمية كبيرة لشعوب لا تغفل حتى أدق الأمور.

يقول الحكيم الصيني "كونفوشيوس":"مهما بلغت درجة إنشغالك، فلابد أن تجد وقتاً للقراءة، وإن لم تفعل...فقد سلمت نفسك للجهل بمحض إرادتك". مقال رائع يتحدث عن أن القراءة من تحديات الناقد؛ فالإنسان الذي لا يقرأ جاهل بقرار ذاتي. وربما يكون على الناقد أن يقرأ أكثر من الكاتب لأنه هو من يحمل العدسة المكبرة ولن يستطيع أن يعرف قيمة ما يقرأ إن لم يكن لديه مخزون ثقافي يساعده على النقد والتحليل.

لم يكتفي الكاتب بالموضوعات المتنوعة السابقة بل كتب عن موضوع بمنتهى الأهمية وهو: "أولادك إستثمارك" وأهميته تكمن بأن بعض الآباء فقدوا هذه النظرة لأبنائهم ومنهم من يعتبر أن حياته أهم من أولاده، وأن عمل المرأة أهم من تربية أولادها وأولويات كثيرة تم تغييرها وشطب البعض منها وإدراج أخرى بآخر القائمة.



أما عن التحرش والإنتماء الوطني، فهذا مقال يمثل فكر نقي صحيح ولابد من تعميمه وتدريسه في المدارس، لأنه يمس فعلاً الإنتماء الوطني والغيرة على القيم والأخلاق هي في صلب الإنتماء الوطني.

ولكن موضوع هام لفت إنتباهي وهو:"هل أفريقيا حاضرة في الشعر والأدب المصري!"

تساؤل هام جدا وعلة وزارة الثقافة المصرية الإجابة عليه، فمصر جزء من أفريقيا ولكن هناك فجوة ثقافية عميقة بين أفريقيا ومصر رغم رغبة أفريقيا بهذا التقرب، فأوروبا أفردت إهتمام كبير للثقافة الأفريقية ولها مساحة واسعة على الساحة الأفريقية ولها علاقات قوية مع الكتاب والأدباء الأفارقة فلماذا تقصر مصر بهذا المضمار رغم أهميته وهي من أهم الدول الأفريقية!

ولم يكتفي الكاتب بهذه المقالات الغنية الثرية إنسانياً وثقافياً وعلمياً والتي وضع بها جهد لا يستهان به من حيث البحث والأرقام والمعلومات بل أفادنا بمقالات علمية أخرى على درجة عالية من المستوى العلمي.

هناك كتب تقرأها وتشعر بأن نافذة ما أو نوافذ عديدة تم إغلاقها في التفكير والنفس والعقل، ولكن هذا الكتاب بكل رحابته الفكرية والنفسية وطاقته الإيجابية الثقافية تفتح نوافذ وأبواب، لأنها مقالات أدبية وعلمية وثقافية ومعلوماتية تضيف لنا ولا تأخذ منا، من أجمل الكتب التي قرأتها لأنها شاملة متنوعة عميقة وجميلة.