نسرين يوسف تكتب: بيت بيوت (الكلب)


بيت بيوت (الكلب)
بقلم:نسرين يوسف

أخيرا وصلنا، الأصدقاء في انتظارنا على الباب وبصحبتهم كلب، لنكمل لعبتنا "بيت بيوت"، اسبقوني إلى الداخل، فأنا عليَّ أن أتوقف قليلا.

الكلب

أنت مدين للجروح مدين لحذائك
لعمودك الفقري
لأول كتاب قرأته
وآخر فيلم نمت في ذروة حبكته
سدد دينك للحياة، أشدها ضراوة
للناس، أشدها عداوة
سدده الآن
دون كم، وكيف، وأين!

هاني نديم

أحب الكلاب كثيرا، وكلما التقيت كلبا يجب أن أتوقف لأداعبه وأعتذر، فقد أسأت للكلاب يوما، وفي المقابل علمنتي هي درسا للحياة.

حدث أن اعتنيت بكلبة وضعت للتو ستة جراء في منزل صديقة مسافرة، كنت أقدم لهم الطعام بإلقائه من نافذة الحديقة الخلفية، وأقوم بأعمال التنظيف على مضض، لم أقترب منها أبدا، ولم أفكر حتى في النظر إليها، فالكلاب كما علمونا نجسة! بعد عدة أيام لاحظت صدفة جروا ملتفا على نفسه في زاوية الحديقة دون حراك، وحول قدمه يحوم الذباب، البيطري أخبرني أن المسكين مصاب بالتهاب منذ عدة أيام جراء جرح وأنني تأخرت، في ليلة لاحقة افتقدت هاتفي المحمول، وكان عليَّ البحث عنه في آخر متجر تواجدت فيه، ما إن خرجت من باب المنزل وسرت بضع خطوات حتى ملأني التوتر، الوقت كان قد تجاوز منتصف الليل، الشارع خالٍ من المارة، أنا غريبة عن المكان، وفوق كل ذلك نباح الكلاب الذي كان يرتفع كلما اقتربت من سور أحد المنازل في سمفونية مزعجة، وفجأة هدأت أصواتهم جميعا، نظرت لأجد الكلبة الأم تسير أمامي وتقف لأقل من ثانيتين أمام كل منزل، لم أعرف كيف ولا لماذا رافقتني أو سبقتني، ربما كان الضجيج هو ما دفعها للتدخل، شعرت براحة كبيرة لوجودها، على ناصية الشارع ركبت سيارة أجرة، وعدت لاحقا لأجدها في انتظاري في نفس المكان الذي ركبت منه، رافقتني إلى أن دخلنا المنزل، في صباح اليوم التالي وأنا أهم بالمغادرة اقتربت مني وهي تبتسم وتهز ذيلها، كانت سعيدة بي أنا التي قتل إهمالي جروها، داعبتها، وكانت المرة الأولى التي ألمس فيها كلبا.

تلك الكلبة كانت أنبل مني! و يومها تساءلت هل فعلا الكلاب نجسة ونحن طاهرون؟ ألم يجِز القرآن أن نأكل من الطعام الذي تصطاده الكلاب؟ لماذا أكذب القرآن وأصدق الشيوخ؟ ولماذا أكون أنا أطهر من أي مخلوق؟ لماذا نعطي -نحن الآدميين- لأنفسنا الأفضلية عن بقية الكائنات ومحصلة كل ما نفعله في الطبيعة هو تدميرها وتدمير أنفسنا؟ الحقيقة أن جميع المخلوقات أفضل منا، نحن أعداء الحياة، وأكبر قتلة على وجه الأرض، وتحديدا عندما نتحدث عن القتلى من البشر، لسنا الأكبر بشكل مطلق، يسبقنا فقط البعوض، من السخرية أن نقتل كل أشكال الحياة بما فيها أنفسنا ليقتلنا البعوض، ولكننا لا نستوعب الدرس أبدا، ولا نستطيع التخلص من غرورنا.

أكبر مثال للغرور هو الإهانة التي أرفضها بشدة، والمتمثلة في مناداة أي إنسان بـ "الكلب"، الكلاب وفية، كم شخص منا تعرض للخيانة، كم منا خان إنسانا أحبه! كم منا خان مبادئه وأفكاره وإنسانيته ونفسه! الكلاب لا تفعل ذلك، أرفض إهانة الكلاب.

أنا أيضا أحب الكلاب بسبب تجربة من نوع آخر، أجمل مرة رأيت فيها القاهرة كان هو يقود السيارة متوجها حيث تأخذنا الطريق وأنا أجلس بجانبه، في المقعد الخلفي كان "عتريس" الكلب، ليلتها كانت الشوارع التي طالما تململت من لونها الرمادي تلمع، وسماء القاهرة الملوثة استحالت فضية، وليلتها أدركت أن أي قرار أتخذه بالبقاء أو الرحيل لن يغير شيئا، في يوم كهذا لا أظن أن كائنا من كان يليق به الجلوس بصحبتنا سوى هذا الكلب الذي أعطانا ما احتجناه منه حينها، الصمت والثقة.

سندخل البيت الآن، ونتعرف على سكانه، قبل أن أترككم أريدكم أن تسمعوا الأغنية التي كنا نسمعها سويا في السيارة ليلتها.

ولما طل القمر
سألني شو الخبر
قلت له يا قمر
عشقاني
عـ دروب الهوى