نسرين يوسف تكتب: بيت بيوت (٦- أهل البيت)


بيت بيوت (٦- أهل البيت)
بقلم: نسرين يوسف

كما تعلمون يا أصدقائي نحن نقوم بزيارة أصدقائنا في بيتهم، فنحن نلعب سويا اللعبة القديمة "بيت بيوت"، ها قد دخلنا البيت، تعالوا لنكمل...

أهل البيت

لم أذهب هناك
ولكنني على يقين من أن هنا أفضل
ربما تكون صدفة أو توفيقا
ولكنها حقيقة دامغة لا يرقى إليها الشك
هنا بالقطع أفضل من هناك
والحق أن هنا هو الأفضل بلا جدال

الكاتب حسام السكري

اللعب في هذا البيت سيكون ممتعا جدا، فعلى بوابات هذا البيت حدثت معجزاتي، وداخله ولدت من جديد، هنا في هذا المنزل اكتشفت ذلك الوهج البهي، وتلك النار التي تحرقك فتقدسها، افترقنا، ومرت سنوات دون أن تغادرني فكرة الشخص الذي خلقت من أجله، حتى جاء اليوم الذي التقيته فيه مجددا في هذا البيت أيضا.

هنا يوجد أكثر من الأصدقاء، فكما ترون، البيت كبير وواسع، ومليء بأشخاص مختلفين، وأعني أنهم من مختلف الألوان، الأشكال، الأفكار، الرغبات والأحلام، سنلهو كثيرا، فهم يتظاهرون بأنهم يشبهون شيئا واحدا، ودائما ما يتحدثون عن الواحد، عن الفكر الواحد، المصير الواحد، الهدف الواحد، السيد الواحد، والحقيقة أن الشيء الوحيد الواحد الذي يجتمعون عليه هو حب هذا البيت.

اتنتبهوا! فالمجتمع هنا أبوي، يعني أن الأب يأمر فيطاع دون نقاش، ومن لا ينفذ أوامره سيعتبر عاصيا ويلقى به في مكان سيء، لا تقلقوا فنحن مجرد ضيوف، فقط لا تظهروا استنكاركم لطريقته مع أهل البيت، وإلا فسوف توصمون بأنكم من جماعة حقوق الإنسان لا سمح الله، والأسوأ من ذلك أنكم قد تتهمون بأنكم ممن يريدون هدم ثقافة البيت كأنصار حرية المرأة، وربما إذا ساندتم شخصا ضعيفا أو مختلفا ستوصمون بأنكم تريدون هدم القيم الدينية والاجتماعية، ونحن هنا لنلهو، ولا نريد تعقيدات.

انتبهوا أيضا لأحاديثكم، فكل واحد هنا يؤمن تمام الأيمان أنه على حق في أفكاره وموقفه وموقعه الذي غالبا ما يكون قد ولد ليجد نفسه عليه، وهو أمر لا بأس به، ويعتقد أن أي فكر أو معتقد مختلف هو فكر أو معتقد خاطئ، ويمكننا تجاوز ذلك أيضا، فالمشكلة أنه لا يحترم حرية الآخر في أن يكون مختلفا، والأسوأ أن الأمر قد يصل لصدام عنيف، أمر مرعب، أليس كذلك؟ أكثر ما يؤسفني أن أهل البيت غارقون في وهم أنهم هم -وهُم فقط- على حق، وأنهم أيضا أفضل من البيوت المجاورة!

في هذا المنزل نساء جميلات، صحيح أنهن في الغالب مغلوبات على أمرهن، ولكنهن أقوى أهله، فكما تعلمون عندما تهترئ الأوضاع فالأمهات فقط هن من يملكن القوة السحرية ليُبقين البيت قائما، إنها تلك الغريزة التي بها استمر البشر، وأضف للأمهات الأشياء الصغيرة التي تقوم بها النساء صغارهن وكبارهن، الثرثرة التافهة، الضحكات اللطيفة، الدلال، ولون طلاء الأظافر الأحمر الذي لا يتخلين عنه بالرغم من كل شيء، هناك أيضا رجال مميزون، ممتعون، مؤثرون، اهتموا بالبيت، ولكن ما كان لهم أن يحافظوا على تميزهم لولا هؤلاء النسوة، و طبعا البيت مليء برائحة الطعام الزكية، وبالأطفال.

ليس الأطفال وحدهم من يصنعون بهجة هذا البيت الكبير، الحقية أن سحر هذا البيت يكمن في الأحلام المجنونة، الناس هنا لا يستندون لأي منطق حين يحلمون بالغد، والعجيب أن بعضهم يستطيع تحقيق هذا الجنون، إنهم مذهلون، أذهلوا العالم كله يوما ما بالورود التي فتحت في حدائق هذا المنزل المهملة، وفي كل يوم أُصاب أنا شخصيا بالذهول عندما أتعرف على أحدهم، وأكتشف كم هو مميز.

سأريكم تفاصيل المكان في المقال المقبل، إنه عريق جدا، وسنستمتع فعلا، هناك شيء ما في هذا البيت يجعلني أحن إليه كثيرا كلما غادرته، يشعرني بدفء وتشبع لا تبرير لهما، شيء لا أفهمه، شيء في أهله وناسه، ناس هذا البيت.

فيها حاجة حلوة...