رنين عيسى: الطابع النثري يعبر بصورة مباشرة عن قناعات الكاتب الشخصية


حوار: أسماء بركة

تمثل الكتابة لها مساحتها الشخصية في هذا العالم، ناقشت من خلالها المحاولة، والموت، والحب، وتتطلع في كتاباتها القادمة لمناقشة القضايا الإنسانية، يجمع أسلوبها بين الأصالة والتحرر، أسلوبها شيق ومثير، وقلمها مختلف، يُطنب رنينًا كاسمها على مسامع من يقرأ لها، فكان لـ "موقع ورقة" هذا الحوار مع الكاتبة "رنين عيسى"، حيث تحدثنا عن نفسها وعن عالم الكتابة بالنسبة لها:

كيف دخلت "رنين عيسى" إلى عالم الكتابة؟ ولماذا تكتب؟

دخلت إلى هذا العالم من خلال أولى تجاربي، وكانت إلكترونية، بعنوان "قصص لا تنتهي"، كان محورها أطفال بلا مأوى، عبارة عن قصص حقيقية من أحضان الشوارع، تحمل تفاصيل معاناتهم، وأول تجربة مطبوعة من خلال نصوص نثرية حملت عنوان "وليسعك قلبك"، أما عن الكتابة فرنين تكتب لأن الكتابة هي آخر ما تبقى لها من مساحتها الشخصية في هذا العالم، هي تكتب عن تلك الوحدة التي تأخذ من حصتنا في الوجود، عن تلك الشوارع التي تقطعنا ونحن ننتظر الحياة، عن الطرق التي لا ننتمي إليها، عن رغبتنا في السعادة والهروب إلى آخر نقطة يمكن أن نصل إليها بعد مشاق الرحلة الطويلة، فكل هذا يمكن أن تمتصه الكتابة، كما يمتصنا الضحك الذي يذكرنا لاحقًا بالبكاء.

عندما يكتب الكاتب حروفا ويعرضها للقارئ يتهمه بتفصيل وحياكة أجوائها على حياته الشخصية، من وجهة نظرك كيف ينجو الكاتب من هذا الاتهام الذي يوجه له من قِبل قرائه؟

بالرغم مما تظهره الكلمات، فهناك المزيد منها لا يقال، أو خلفيته غير معروفه، فمن الأفضل ألا ينهك القراء أذهانهم في إصدار الأحكام على الكاتب ويأخذوا عنه ما أتاحه من مساحته الشخصية وحسب، فكما قال الرافعي في بدايات رسائله: "سأكتب أشياء وأضمر على أخرى لا أبوح بها، ومادام لكل امرئ باطن لا يشركه فيه إلا الغيب، ففي كل إنسان تعرفه إنسان لا تعرفه"، وقال أيضا: "فسآتيك من رسائلي بالكلام الصحيح والكلام المريض، ويتشعب عليك من خبري أمور وأمور، فلا تحاول أن تهتك سر هذا القلب.".

لماذا يغلب الطابع الفلسفي على كتاباتك؟

كل شخص وله منهجه في البحث عما وراء الأشياء، لأن الفلسفة تأتي كي تنتشل الإنسان بالمعرفة، لتخبرك أنها تملك بين يديها ما يمكن أن يروي ظمأك، ويخفف من وحشتك، مغزى الكلام أن جوهر التفلسف يبدأ من داخل الإنسان نفسه، فهي عملية يقوم بها الإنسان مع ذاته أولًا، ينطلق منها، يمارس معها عملية طرح الأسئلة والبحث عن إجابات، وقد تقوده رحلة البحث إلى تلك الأسفار والكتب، ولعله من خلالها يستشف بعض ما يعينه على المضي قدمًا.

لماذا لم تتجهي إلى كتابة الرواية أو الشعر على اعتبار أن لهما رواجا أكبر من كتابة النثر، خاصة وأنتِ في بداياتك الأدبية؟

بداية، لم يكن الشعر وحده هو الذي يصور الأشياء كما يراها العامة، ويتغنّى بها على أوزانهم الشعبية، بل إن الكلام المرسل أيضا أصبح يستعمل في ذلك، وهكذا نشأ النثر في الأدب بعد أن كان -حتى ذلك الحين- مقتصرا على العلماء وأهل الدين، أو على الأكثر على كتب شعبية قليلة نُقلت عن الفارسية، ويحكى عن قوم -حوالي عام ٢٥٠ هـ- أنهم فضلوا الكلام المنثور على المنظوم، واتجاهي للكتابة النثرية له أسباب، أهمها:

أولًا: لأن الطابع النثري يعبر بصورة مباشرة عن قناعات الكاتب الشخصية، ونتاج تجربته الخاصة، أي الموقف العاطفي للكاتب، حيث يصعب الهرب منه أثناء الكتابة، رغم المسؤولية التامة للكاتب في أن يعتدل في مزاجيته الخاصة، وينتقل من مجرد حالة اضطراب ما للتعبير عن حالة معينة، لحالة من النضج، وهذا يمثل خط سير الأفكار في كتاب "وليسعك قلبك".

ثانيًا: لأن النص النثري شكل أدبي يستوعب كافة التفاصيل والتجارب الإنسانية.

ثالثا: الحماس الجمالي، إدراك الجمال في العالم الخارجي وترجمته لنص أدبي نثري دون قيود، أو إطارات وقوالب محددة، أو من جانب آخر، الحس الجمالي في الكلمات وترتيبها الصحيح، وتماسك النص النثري الجيد.

ماذا يُمثل "وليسعك قلبك" لرنين عيسى؟

"وليسعك قلبك" هو طفلي البكـر، فهو يعتبر اهتدائي إلى ذاتي أولًا، فأنا أريد النور، وأيقنت ألا أنس لي إلا إذا اهتديت إلى نفسي، ومن ثم في الهداية إلى ذاتي أستطيع أن أوصلها بالكون كله، وأسيطر على تلك المساحة القاسية من الوحدة والعزلة، لأنه لا أحد يفهمك.

لماذا المحاولة، والموت، والحب في "وليسعك قلبك"؟

"المحاولة" لأن كل إنسان له جانب مظلم، أو جانب متمرد في شخصيته يصعب التعامل معه، ومن الحكمة أن نتفهم طبيعتنا كبشر أولًا، فالمحاولة هنا في أننا نتدرب على تقبل طبيعتنا البشرية بكل تناقضاتها، وهي تشمل إيضاح الشقين -بالنسبة لي- السلبي والإيجابي في النفس البشرية، وتبدأ الرحلة من الأعماق السحيقة، إلى أن أصل إلى نقطة الضوء، فحين يكتب الإنسان عن معاناته فهذا يجبره أن يرتب أفكاره ليصيغ التجارب الشخصية بشكل منطقي، ويبدأ في تحويل المشكلة التي تزعجه من كونها مشاعر متضاربة وأفكارًا مشوشة إلى قصة متماسكة، وهذا يساعد الشخص على فهم ما حدث والتعامل معه، والوصول إلى نقطة الضوء في القصة تجعلنا أكثر تقديرًا لحياتنا؛ لأننا نركز على الإيجابيات، فنتذكرها ويزداد انتباهنا لها. أما "الموت" فلأنه يأخذ جزءا من أرواحنا معه مع الغائبين، وبالكتابة نحاول أن نحسن الوداع بهم أو أن نجدد اللقاء معهم، دون أن نظل عالقين معهم على حافة الموت. وبالنسبة لـ "الحب"، فالحب هو نقطة النور  التي ترينا الجمال الحقيقي، وأجمل ما في الحب أنك تهدي الآخر قطعة من روحه، تزرعها بداخله، وتثمرها فيه بكل قواك، وتصبح معه كل الأحلام مشتركة، ولذلك فالحب يلزمه نوع ما من النضج والتغير من الداخل والخارج، ولهذا حاولت أن أمتلك لغتي خاصة في الحب في تجربتي الأولي في الكتابة.

وما الذي تتمنين توجيه قلمك نحوه في كتاباتك القادمة؟

قضايا الذات الإنسانية بشكل عام، إذ أن الغريب أن ضياع الذات ليس من بين الأشياء التي تثير ضجة كبيرة، فالذات هي الشيء الذي لا يعيره الناس أدنى اهتمام، مع أنهم ينتبهون بغير شك إذا ما فقد المرء ساقه، أو ذراعه، أو زوجته أوماله، أما إذا فقد ذاته فتلك مسألة تمر في غاية الهدوء.

هل تسعى رنين عيسى إلى أن تصبح أديبة عربية يعرفها العالم أجمع، وأن هدفها الكتابة؟ أم أن الكتابة فقط وسيلة لإيصال رسائل لك ليس إلا؟

بالطبع، أسعى لأكون أديبة عربية يعرفها العالم أجمع، وبالنسبة لي فنشر الأفكار لا يكفي، بل يجب الانتقال من قاعدة التأثر إلى منصة التأثير والانتشار.


الإبتساماتإخفاء