محمود عكوش يكتب: الجنيه غلبان كده ليه؟!


الجنيه غلبان كده ليه؟!
بقلم: محمود عكوش

"إيه اللي جرى لعملتنا الورقية؟! سيئة الحظ أكيد أن كُتب عليها التداول بين أيدينا، مش كده!".

قلت هذة الجملة وأنا أمسك بيدي ورقة من فئة الخمسة جنيهات، وقد تهالكت وفقدت معالمها ومال لونها نحو السواد، وكأنها ورقة شجر ذابلة، مسكينه هذة الورقة، فكما يبدو قد مرت بأيام عصيبة منذ أن خرجت من مطابع البنك المركزي المصري وهي جديدة متألقة، تسمع صوت حركتها عندما تقلبها بين أصابعك، وتشعر بنعومة ملمسها في أجزاء، وخشونته في أجزاء أخرى من سطحها، لها رائحة مميزة، رائحة الـ "بنك نوت" كما يقولون، تبدوا كعروس قد تزينت لزوجها في ليلة من ليالي شهر العسل، فماذا حدث لها حتى وصلت إلى هذه الحال، مقطعة و مهانة ومشوهة المعالم ولا حول لها؟! تكاد تتفتت من هشاشتها، وكأنها مريض يحتضر فقد القدرة على مغادرة الفراش، ولا يستطيع أن يقيم صلبه، أو كقطعة قماش بالية تشمئز أن تلمسها وتنفر من رائحتها الكريهة! والغريب في الأمر أن ترى أنها ورقة قد طبعت حديثا، ولم يمر عليها أكثر من عام واحد في التداول، فلماذا هذا المصير يا ترى؟

بحثت وفكرت، فوجدت أن السبب ليس في قلة جودة طباعتها ولا سوء خامات تصنيعها، بل السبب الوحيد كما يبدو هو معاملتنا لها بقلة احترام، نعم، إنه احترام عملة بلدك يا عزيزي، والموضوع ببساطة هو أننا نحترم فقط ما نشعر بقيمته وأهميته، أما العملة المحلية فقد فقدت احترامها لعدم شعورنا بقيمتها.

الجنيه المصري الآن أصبح مهانا، "غلبان" يقف بين باقي العملات كالمتسول مهلهل الملابس أمام دار الأوبرا، بينما ارتدى الآخرون ملابس السهرة الأنيقة، وهو يبحث عن لباس يستر عورته، يا حسرة عليك يا جنيهنا العزيز!

للأسف لم أرَ تعاملا مع عملة أسوأ مما يحدث في بلدنا، فعندما زرت ماليزيا عام ٢٠١١ رأيت كيف يعامل هذا الشعب المتحضر عملته بكل احترام، وكيف يحرصون على إرجاع الباقي للمشتري حتى ولو كان قروشا بسيطة القيمة، فتلك القروش الصغيرة لا تزال تستعمل وتُتداول وتقبل، تخيل لو أعطيت أحدا عندنا بعض العملات الصغيرة، فسينظر لك بتهكم ولن يقبلها لأنه لا قيمة لها، ولو طلبت الباقي فسيعطيك "بالباقي لبان!"، الماليزيون فكروا كيف يصنعون عملة ذات قيمة، فقاموا بعمل عملة ورقية من مادة البلاستيك فائق الجودة والنعومة، فالورقة -إذا صح وصفها بالورقة بعدما أصبحت بلاستيكية- خفيفة وجميلة، تجبرك على احترامها ومعاملتها برفق وحب، وتشعر بقليل من الندم إذا ما فرطت فيها، فهي بجانب قدرتها الشرائية تعتبر تحفة فنية تستمتع بتداولها، نحن أنفسنا نعامل العملات الأجنبية باحترام شديد، بينما نسيء لعملتنا إلى حد كبير، فهل رأيت يوما شخصا يرسم بالقلم على دولار أو يورو مثلا، أو قام بلف ورقة درهم إماراتي ووضعها خلف أذنه؟!

يا ليتنا نتعلم أن احترام العملة جزء من احترامنا لأنفسنا قبل أي شيء، وحفظ لكرامة بلدنا، التي هي من كرامتنا.