هاشم عبد العزيز يكتب: شتاء عام ١٩٩٨ (٢)


شتاء عام ١٩٩٨ (٢)
بقلم: هاشم عبد العزيز

مضت الليلة، وأشرقت شمس جديدة والضيق يتخلل صدره، والسبب يرجع إلى الأحلام التي استحوذت على سائر ساعات ليلته الليلاء، لا يتذكر منها سوى مشاهد قليلة مثل عناق الثعبان الأقرع لجارهم المريض ومنحه قبلات سريعة مؤلمة، أو أن الفراش يتردى من أعالي مدرسته، أو عراكه مع الكلاب الضالة أثناء صده لها ومنعها من التهام شخص ما، أخذ يلعن ويسب تلك الثواني المعدودة التي يقضيها كالعادة بعد الاستيقاظ، يتأمل اللا شيء، ويحملق في العدم، حتى يفقد قدرته على استرجاع كافة صور ما رأى في منامه.
رسائل سماوية أرسلت إليه باعتباره وليا من أولياء الله الصالحين لتحذيره من شيء ضار، يرى نفسه وليا صغيرا، بدليل أنه لا يتذكر إلا التفاصيل، عندما يبلغ العشرين سيتذكرها كاملة، كان يقصها على أمه رغم أنه يعلم ردها المعتاد الجاهز الذي حفظه كاسمه: "حط المصحف تحت دماغك قبل ما تنام واتغطى كويس"، ولكنه  يأمل أن تلتقط من كلماته في مرة من المرات  أي آية أو علامة وتفسر منها أي شيء يريح قلبه إلى أن يكبر ويفسر لنفسه، إنه يراها وليا كبيرا هي الأخرى، ولكنه يبرر ردها المقيت بأنها تخشى عليه من تلك الأمور في هذا السن.

برغم الخوف والعذاب الذي ذاقه البارحة، لكنه سعيد لأنه الطفل الوحيد المتفرد بهذا الأمر، وكانت أمه قد منعته من أن يحاكي أحدا بهذه الأشياء لكيلا يتهمه أقرانه بالجنون، ولكن أين هي الأم الآن؟ ربما ذهبت إلى السوق وتركته نائما ظنا منها أنه متعب جدا ولن يقوى على الذهاب إلى المدرسة.

طرد كل الأفكار من رأسه وقصد المدرسة رغم تعبه الشديد من كثرة أشغال اليوم السابق، ولكنه كان تعبا محتملا، ورؤية حلوته ستمحو أي تعب بالطبع.

وصل متأخرا متصدرا طرقة الطابق الأول الكائن به فصله، لاحظ مرور الوكيل بعصاه الخيزران الصغير المعلق الخارج من جيب بذلته الرسمية الأيمن ينال به الطلبة الغير ملتزمين، لكنه هرب منه حيث انحنى وكأنه يصلح جاربه أو يربط حذاءه حتى مر الوكيل، تنفس الصعداء، مشى قليلا حتى وصل إلى باب الفصل المفتوح دائما، دخل مترددا ولم تشعر به معلمته واكتشف أنه ورط نفسه ورطة كبرى، حيث وجد مقعد زغلولته فارغا، فوقف واضعا حقيبته بين قدميه شاردا محدثا نفسه، ما المانع الذي لا خير فيه الذي حال بينها وبينه هذا اليوم؟ إنها لا تغيب عن المدرسة أبدا، ما الذي أتى بي اليوم إلى هنا يا رب؟ليتني ما اقتربت من  عتبة منزلنا، قطعت المعلمة شروده:

- أنت
- نعم
- استنى

كانت سيدة بدينة طويلة القامة سمراء اللون جاحظة العينين مخمرة الرأس، يبدو عليها الحزم والجدية والصرامة، ولكنها عصبية إلى أبعد حد، نظرت إليه ثم تجاهلته واستكملت كتابة الدرس الذي كانت تكتبه على السبورة من كشكول تحضيرها الأزرق، ضم الصغير حاجبيه وعبس وجهه، وقرر أن يضيع عليها فرصة التسلط عليه، أهداه عقله إلى فكرة إبليسية، أن يفعل كما يفعل أخوه الأكبر دائما، بأن يطلب تحويلا إلى المستشفى، وبعد أن يسمح له بذلك لن يذهب إلى مستشفيات، سينطلق في شوارع البلدة، ربما يعثر على حبيبته، وكفى الله الطلاب شر المعلمات. إن هذا  النهار سيكون شديد الظلام، بعيدا عن ضياء وبهاء جميلته، والاستماع إلى نباح الكلاب في أطراف البلدة أفضل عنده من التواجد في هذه الخرابة بدون حلوته، انتهت المعلمة من كتابة الدرس حيث غرست الطبشور الذي كانت تضغط عليه بقوة في جسم السبورة حتى سقط على الأرض، وصرخت قائلة:

- الحصة بدأت من ساعتها يا أفندي، اتأخرت ليه؟ كتبت الواجب؟

قبع في مريلته ورد بصوت خافت:

- أنا تعبان وعاوز أروح أكشف.
- وجاي ليه طالما تعبان؟!

تحركت ناحية مقعدها تتمايل إلى اليمين مرة وإلى اليسار مرة من فرط سمنتها حتى وصلت وجلست ووضعت صدرها المكتنز على حرف المكتب، شهقت ثم زفرت قائلة:

- انزل للوكيل شوف هيعمل إيه.

وكأنها أعطته قبلة الحياة، ولم يعطِ لحديثها عن الوكيل أي اهتمام، خرج من الفصل راكبا الريح طائرا كالفراشة، نزل إلى الشارع فتحول إلى سلحفاة تمشي ببطء حتى لا ينزلق على الأرض بعد أن شعر ببعض الوحل قد اخترق حذاءه البلاستيكي الأبيض المثقوب يداعب قدميه وغطى مقدمة حذاءه، سعد لذلك وأخذ يتفنن وينوع في طريقة مشيه ويطرب للصوت الناتج عن خطواته، حيث تصدر الخطوة صوتا يعجبه إثر التصاق قدمه في الأرض ورفعها عنها، إنه يعشق الشتاء بوحله وبرودته وصقيعه، حتى البشر يجملهم الشتاء  كما يقول دائما مجذوب البلدة، وبالفعل يرى الصغير الناس أكثر حسنا في الشتاء.
ظل الصغير يمشي بعشوائية حتى وجد على يمينه ورشة النجارة التي طالما وبخه نجاروها على إلحاحه الدائم، حيث كان يرجو قطعة خشب أخضر لكي يستخدمها في استكمال سيارته، بعد أن جمع عددا لا بأس به من أغطية قنينات الـ "كوكاكولا" التي سيصنع منها عجلتي السيارة.

كثيرا ما صال وجال في شوارع القرية ورابط أمام المقاهي والدكاكين حتى يلقي أحدهم بغطاء على الأرض، فيلتقطه هو بكل فرح، كان الذي يمتلك أكثر من مئة غطاء يكون أغنى الأطفال وأثراهم ويعد من الأعيان.

القطعة الخشبية متوفرة دائما في الورشة، ولكنهم لا يريدون منحه إياها بدون مقابل، كانت أعماقه تتمزق حينما يرى قريناتها تحترق أسفل براد الشاي الذي أخذ اللون الأسود بسبب تراكم هباب النار عليه، تبين له أن طاقم الورشة قد تغير، حيث يوجد وجه جديد يقبض على يد منشاره بقوة واضعا قلم رصاص خلف أذن من أذنيه الكبيرتين اللتين تكادان أن تغطيا جانبي رأسه المشتعل شيبا، كان الصغير في حاجة إلى تأليف قلب الرجل في بادئ الأمر، فتوجه إليه حاملا "نبوت" صغيرا، وخاطبه قائلا:

- أنا لقيت دي على الطريق.
- خدها ليك يا شاطر، وجدع إنك بترجع للناس حاجتها.
- لا أنا مش عايزها، أنا عاوز حتة خشب زي اللي هناك دي.
- عايزها بلاش؟
- هي بكام؟
حك الرجل أنفه وسكت هنيهة ثم أردف قائلا:
- إيه اللماضة دي! أنت بترد على السؤال بسؤال؟ أكيد عايزها بلوشي، في عيل في سنك عنده فلوس!
- ممكن أحوش من مصروفي.
- لا تحوش ولا تكوش، شايف الصحن اللي هناك ده؟ هتاخده وتجيب لي بربع جنيه عسل، وكمان هات تُمن سكر وباكو شاي الجوهرة.
- وهتديني الخشبة؟
أنا خلاص اديتها لك يا عسل، الشاي اسمه إيه؟
- الجوهرة.
- حلو خالص، يلا زق عجلك.
- هات الفلوس.
- آه، هديك الفلوس، هو يعني الدكان هيديك الطلبات دي ببلاش زي الخشبة كده؟ عجايب!
- طيب هات الخشبة.
- لما ترجع بالحاجة ابقى خدها.

أخرج الرجل ورقة من فئة خمس جنيهات من جيب قميصه الذي اختفى لونه من تراكم نشارة الخشب عليه وأعطاها للصغير، فتناولها وأزال النشارة التي كانت تكسوها، وغادر الورشة مسرعا.

يتبع...