د. محمد غاني - صراع الحضارات - ضرورة المعراج بالخُلف



 صراع الحضارات – ضرورة المعراج بالخُلف

د. محمد غاني 
باحث في الأكسيولوجيا و الديونطولوجيا- المغرب.

لا يختلف اثنان على أن الكائن البشري خليط مركب من الكيانات المتداخلة، و إنما يشكل كيانه المادي آنية لاحتواء كياناته الأخرى ...النفسية، والفكرية، والروحية، و لفهم الظاهرة الإنسانية في هذا الوجود كان على الانسان الانتظار دهرا من الزمن لفك بعض شييفرات الوجود الإنساني و الذي لا يزال أغلبها مشفرا لولا أن فك بعضها الآخر عالم الغيب الذي لا يسلم به الكل و ان آمن به البعض.

لا يمكن فهم الظاهرة الإنسانية طبعا دون فهم الظاهرة الكونية، ذلك أن السياق يلعب الدور المحوري في فهم أي ظاهرة، و لهذا  ارتبط التأريخ للكائن البشري بالتأريخ للعالم و الكون. فإذا كان التخصص الأول يبحث في ميكانيزمات تطور الكائن البشري فإن المجال الثاني يركز في نطاق أوسع حول التطورات الفيزيائية للكائنات الحية  من حيوانات و نباتات بل و لكوكب الأرض بل و أكثر من ذلك يبحث في تاريخ الكون الهائل الذي نعيش في جزئية صغيرة من جزئياته.

ارتقى الانسان بفكره و أخلاقه بمجرد تجاوز حيطان تحقيق حاجاته المادية حيث انتقل بفعل تطور الذكاء البشري عبر التوجيه الغيبي و توجيه ما يمكن أن نسميه بفاعلية التجربة، حيث تظافر العقل ممثلا في "فاعلية التجربة" مع الغيب "حكماء و أنبياء" في الانتقال بالبشرية شيئا فشيئا في تفكيك رموز سطور صفحات كتاب الكون المنظور.

إن المعراج الروحي الذي حصل للرسول الأكرم صلوات الله و سلامه عليه فيه إشارة من الغيب بليغة في ضرورة الانسلاخ من حيطان المادة و المعراج الفكري و الروحي من أجل تحقيق فهم بعض جوانب الظاهرة الإنسانية و لا يتأتى ذلك من خلال كتاب الغيب نفسه الا عبر التزاوج بين الاسراء الفكري "اقرأ" مع الاسراء الروحي "الصلاة" و لا يتم ذلك طبعا دون الكيان المادي الجسدي الذي يحويهما.

تنطلق من هنا نظرية هذا المقال الذي يحاول البرهنة على نجاعة المعراج بالخُلف في مجال صراع الحضارات من أجل التعايش بين مختلِف التيارات و المذاهب سواء العقدية أو الفكرية  الفقهية دون الانتقال الى العنف المادي، و نقصد بالمعراج بالخُلف أن الانسان ان كان قد استطاع الاسراء الروحي عبر النبوة و الولاية، و أمكنه التدرج الفكري عبر المطالعة و القراءة و النظر و التجربة فإنه و لا شك يستطيع النكوص الإيجابي و الرجوع غير السلبي مما هو فيه اليوم من حضيض التلاسنات اللفظية و المصارعات البدنية بين مختلِف التيارات الفقهية و العقدية و الروحية داخل الدين نفسه بل و في نظرة أوسع بين متنوع الديانات و العقائد.

لا شك ان الدين الإسلامي دين تسامح في فلسفته لكنه غدا اليوم بفضل و بحنكة جهالة بعض المنتمين اليه و المرتدين لجبته إما نفاقا أو لغرض في نفس يعقوب، دين تناحر و تنابز في المذاهب و التيارات و الأحزاب، و لن يرتقي أصحابه في نظرنا الا بمحاولة الاسراء بالخلف من التصارع داخل الكيان المادي للإنسان (التطاحن و القتال الجسدي) الى التصارع و الاختلاف داخل الكيان الفكري للظاهرة الإنسانية (الصراع الفكري و الاختلاف الثقافي )، فان استطعنا تحقيق هذا الانتقال العكسي في فهمنا للصراعات العقدية و الدينية و الفقهية لتجاوزنا كثيرا العديد من الفواجع الكبرى و المآسي العظمى التي ترتبت سابقا لمجرد اختلافات بين قناعات مجموعات بشرية تنتمي لهاته العقيدة أو لتلك الديانة.

 إن ضرورة تحقيق هذا المعراج بالخُلف من الصراع داخل الكيان المادي للتعايش البشري الى كيانه الفكري الثقافي غدا اليوم ملحا أكثر منه في أي وقت مضى حتى لا يؤثر ذلك في أجيال قادمة من أطفال المسلمين صار الإعلام يوهمها بهمجية دينه، ووحشية المنتمين إليه، و الخوف كل الخوف أن ينسلخوا من دينهم انسلاخا ظانين فعل عين الصواب في حين أن ذلك سيكون ذات الغلط و نفس الضلال.

و ما تنشره مختلف وسائل الإعلام المقروءة و المسموعة و المرئية من انتشار الإلحاد و التشيع و غيرها من الفرق و الأديان ضمن صفوف الشباب الشرق أوسطي الا صفارة إنذار قوية ليتلاحم أفراد هاته الأمة و يقبضوا كما أمروا على حبل الله المتين المتمثل في القراءة السمحة المتفتحة لكتاب الله الحكيم كما قرأه الصحابة الكرام قراءة قانونية لا تنسلخ عن وجهها الروحي الخلقي العلمي الفقهي الأخلاقي، فقراءة ذات وجوه كفيلة وحدها لفك رموز كتاب الله الحكيم و تنزيلها التنزل اللائق، في هذا العصر، السرعةَ فائق.



الإبتساماتإخفاء