أحمد صوان - ماذا يحدث عندما نبلغ الثلاثين؟



ماذا يحدث عندما نبلغ الثلاثين؟

أحمد صوان


قبل ما يزيد عن الأربعين عاماً كتب الروائي الأمريكي هنري ميللر مقاله الأشهر "ماذا يحدث حين نبلغ الثمانين"، وضع فيه خلاصة ما اكتشفه في روحه عندما بلغ من العمر أرذله، الرجل رائع وتحدث عن أمور عدة ذكّرتني بما كان يقوله أبي الذي رحل عن عالمنا في السن نفسه تقريباً، كلاهما تحدث عن أمور عديدة بعد أن عاش عالماً أقل تعقيداً مما نراه اليوم، وكانت كلمات ميللر -الذي فتح لي عالمه أستاذي الأربعيني- تتردد بذهني مراراً منذ قرأتها، فجأة خطر لي أن سن الثلاثين بمقاييس عصرنا هو بالفعل نقطة فاصلة يخشى من دونها الاقتراب منها، تغير عالم من تجاوزها بلا رجعة، وجدتها تستحق أن نقف للحظات وسط صراع البقاء أحياء من أجل جلب لقمة العيش، ربما استطاع أحدنا عبرها أن يُغير مساره.

في الثلاثين يُمكنك أن تنظر لحالك بنظرة أكثر شمولية، لم تعد ذلك الأحمق الذي تراوده فكرة التجريب في كل شئ، أنت بشكل ما في منتصف المسافة بين أن تكون أو لا تكون، بعبارة أخرى كما قال الراحل إبراهيم يسري في "فيلم ثقافي" عندما سُئل عن مشاهدته لأفلام السيكو سيكو حتى هذه السن "السن اللي من حقك تبتدي فيه تحقق ذاتك هو سن العشرينات، أنت ليه مسامح في حق نفسك  يبقى ليه مأجل الزعل من الدنيا والتمرد لسن الأربعين". بهذه الطريقة يُمكنك الجلوس والتدبر في الأمر.

إذا بلغت الثلاثين وأنت بصحة جيدة فهذا يعني أنك محظوظ للغاية في بلد هو الأعلى في معدلات الربو والفيروسات الكبدية وحوادث الطرق. يُمكنك أن تسجد ركعتين شكر لله، بدلاً من أن تهرول نحو الست الحكيمة مكرمشاً خمسة جنيه لتحظى بدور متقدم لدى طبيب يائس من انعدام الإمكانيات ويقوم بالكشف على سبعة أفراد في وقت واحد، أو تجلس بانتظار تعميم جهاز الكفتة لتلحق بسيخ الأمل في الشفاء. طبعاً لا مجال للحديث عن السوفالدي أو غيره فهو ليس لأمثالك، كفى بالبقدونس سبيلاً؛ ولا تكن من الكافرين وتقرأ  التصريح القائل بأن مستشفيات الحكومة أفضل من مثيلتها في انجلترا؛ هذا المسؤول كان يُقدّم تجربة أداء للالتحاق بعمل كوميدي فلا تأخذ الأمر بجدية.

في الثلاثين أيضاً تُعيد النظر إلى صداقاتك، الآن خرجت من مرحلة "صاحب كل الناس" إلى انتقاء من تود معرفتهم عن قرب، السنوات السابقة كانت "ملطشة" لعلاقاتك الإنسانية، بداية من أصدقاء المدرسة الذين اعتقدت أن علاقاتك بهم خالدة، وحتى رفاق السيجارة -إذا كنت مدخن أو حشاش- وبالطبع جاءت الخيالات نفسها بالنسبة لرفاق الجامعة أو العمل قبل أن تتورط معهم في مشاكل حقيقية. عندما تصل إلى الثلاثين يجب أن تُعيد تقييم هذه الصداقات، هناك من تكتفي بوضعهم في الـcontact، آخرون تتذكرهم برسالة من حين إلى آخر، هناك من لم يعودوا أصدقاء، بل حقائق مجردة في حياتك لا يُمكنك إنكارها أو الابتعاد عنها، تذّكر أن من سيبقى حياً منهم سيبكي فوق قبرك كثيراً فيما بعد. دعني أيضاً أخبرك أن التجربة تُثبت أن أفضل أصدقاءك لا ينتمي إلى جنسك، فأقرب أصدقاء الرجل فتاة رائعة بلا إضافات، وأهّم أصدقاء المرأة يكون جدّع بلا مُبالغة.

ستصل في الثلاثين إلى مرحلة "البرنسة" التي تملأ طرقها مواقع التواصل الاجتماعي، لا يعنيك أن يقتنع أحد بكلماتك، وأنت بدورك تُلقي أحاديث الناس في أقرب مراحيض عمومية وتضغط على زر السيفون بقوة، هناك دوماً فلان وفلان الذي يثرثر بلا مناسبة حاشراً أنفه في مالا يُعنيه ناسياً مصباحه المكسور، وهناك فلانة التي تستمتع بالخوض في كل شئ في جلسات النميمة بينما ماضيها مليئ بالفضائح، هؤلاء يتحولون تدريجياً من فلان إلى "أحدهم" الذي يُشبه علم كوبا، لاتنتمي إليه ولا يعنيك لكنه موجود في ذات المكان، هو أتفه من أن تستغرق ثوان في متابعته.

من المهم في هذه السن كذلك أن تدرس نفسك بعمق، تتأكد أن أخطاءك لا يُمكن إصلاحها، وعيوبك لن تختفي بعد أن لازمتك ما يزيد عن الربع قرن، تعامل معها بجدية واعتبرها من حقائق الحياة، من يريد معرفتك فعليه التعامل معها، ومن لا يرغب فالحوائط تملأ العالم، يختار أقربها ويُبدي رأيه هناك؛ ثق بأن آراءك ليست حكيمة طوال الوقت وآراء الآخرين لا تتعدي مجرد "الرغي" أو "الفضفضة"، هي ليست مُلزمة، ومن يعتقد ذلك فليذهب إلى جدار آخر كما يشاء. في الوقت نفسه اكتشف سحرك الخاص، العضلات القوية والقوام الممشوق والشعر الحريري هي أمور زائلة يستعد دود المقابر للاستمتاع بها حين يحين دورك، أترك هذا وابحث عن الميزة التي وضعها بك الخالق، عندها تتألق بأكثر مما يفعل جورج كلوني أو مونيكا بيلوتشي، وهي أروع نساء الأرض في نظري بالمناسبة.

مع حلول الثلاثين يُمكنك أن تُقيّم عملك، إما أن تكون بائساً ومجبر كأغلب أبناء هذا الشعب، أو حصلت على ما تريد فتسعى لتطوير نفسك. هنا عادة لا يعمل بشهادته إلا من أتى بالـ50% أو أكثر قليلاً في الثانوية العامة، لا تبتئس عندما تكون محامياً بينما تعمل في محطة بنزين، مترجماً لكنك موظف في خدمة العملاء تتلقى أجرك من أجل أن يقذفك الآخرون بأبشع الشتائم، رأيت في مراهقتي شاباً يحمل الماجستير في الكيمياء لكنه عامل النظافة الذي يمّر يومياً من أجل "الزبالة" وهو يدق الباب بطريقة راقية. هنا لابد وأن تُفكر جيداً في جدوى هذا، من أجلك اخترع البنك الأهلي إعلان "مكانك مش هنا". لا أحد يعرف حقاً إذا ما كان عليه الاستمرار في هذه البهدلة، ربما عليك التجربة من جديد لتكون سعيداً، أو تظل كسيزيف وتحمل صخرتك إلى النهاية.

النقطة الأبرز عند بلوغك سن الرقص على السلالم هذا هي الزواج، فإذا كنت مغفلاً بشدة وتزوجت في العشرينات قبل أن تتبلور أفكارك نحو احتياجاتك من الطرف الآخر -سواء لظروف ما أو قرار أحمق- فأنت كالمثل الفيسبوكي الشهير "ساب الحفلة قبل ما تبدأ"، فأنت لم تخض معارك الحياة حتى الكفاية، لم تر سوى أنماط قليلة من البشر لا تعرف أنهم مجرّد "عيّنات" ممن ستراهم لاحقاً، ليس كل وسيم يصلح أباً، وليست كل مهذبة مستعدة للشقاء، الأمور بدورها ليست غارقة في الجنس، هناك من يجعلك تزهد في الأمر حتى تكاد تكون بوذياً بعد أشهر. هنا أيضاً تُقرر ما إذا كنت ستستمر في مصمصة الشفاه حتى آخر أيامك، أم تأخذ القرار الثوري بلا رجعة بحثاً عن حياة أفضل كما تراها؛ ولكن هنا الأمر يبدو وكأنه تصفية عمل تجاري، في أغلب الأحوال يتنازع الطرفين بدلاً من أن يتنازل أحدهما، كلٌ منهما يسعى لسلب الآخر كل شئ حتى "البوكسر اللي جابته لك طنط عفاف في عيد جوازنا" و"طقم البُهارات اللي عمتي بعتته لك في الخطوبة عشان تكّملي المطبخ"، وتُبادل الاتهامات بعشرات الأشياء أقلها خيانة العِشرة، و"أنتي ما صبرتيش عليا" و"أصلك بتاع نسوان" وغيرها. إذا ما وجدت هذا فعليك بالفرار ممن يراك عبداً لا شريكاً، الأطفال سيستمرون، فمن خلقهم قدّر لهم النهاية.

يُمكنك ببساطة أن تضغط على مربع × الشهير في أعلى الصفحة وتنهي هذا الهراء الذي قرأته نادماً على هذه القراءة، ربما تضغط like و share وتضع تعليقاً من نوعية "هذا الكلام يُمثلني"، وربما تنتقل إلى صفحة أخرى بالمبدأ الدرويشي الشهير "وكأن شيئاً لم يكن".. الأمر لا يعنيني، فأنا في مرحلة "البرنسة"..



الإبتساماتإخفاء