نافذ سمان - رحلتي من الشك الى الاستياء



                               رحلتي من الشك الى الاستياء


بقلم الكاتب: نافذ سمان



تترك سنوات الدراسة الأولى في كل منا أثراً يصعب على الأيام أن تمحيه ، مهما ازدانت هذه الأيام بالصعاب و المفاجآت و الانقلابات التي لا تخطر بخيال .

تلك السنوات ، تركت داخلي عاهة مستديمة لم أتمكن من التخلص منها إلا قريباً .

لم أكن في تلك السنون إلا ( غريب أطوار ) وجد نفسه بمكان لا ينتمي له ، و لا يحسن حتى التأقلم معه .

كنت متفوقا دراسيا و رياضيا ، حينها ، إلا أنني لم أكن أبدا أحسن اقتناءالصداقات ، و كنت ، و ربما حتى الآن ، مغناطيسا يجمع كل سخفاء و أغبياء و ظُلاّم الأرض ليتوحدوا ضدي ، الأمر الذي جعلني أهب من يتجرأ و يصادقني ، هالة من القدسية و فيضاً غامراً من المحبة و التفضيل .

مؤخرا ، بدأت أقتنع أن من لا يميل إليّ ليس حقاً سيئاً لهذه الدرجة الشيطانية ، و أن ذلك الذي يتقرّب إليّ ، ليس ذلك الملاك و ليس المخلص الذي تنتظره البشرية .

من هنا ، بدأت أخضع كل قناعاتي لتلك القاعدة الجديدة المكتسبة ، و بدأت أعرض كل من و ما أعرفه للتقييم من خلال قناعتي الجديدة ، و كان من ضمن من أخضعتهم للنقد من جديد ، هو مقدساتي الفكرية و الدينية ، و اختصاراً سأتكلم هنا فقط عن قناعاتي الدينية و هي الأمر الذي أردت أن ألقي عليه الضوء هنا .

بعد سنوات طويلة من الشك كنت أبحث فيها عن قدوة لي من رجال الدين ، و بعد فشل ذريع تلاه اعلان برائتي من كل رجال الدين ، من كل الطوائف و الأديان و الأعراق و الإثنيات ، داهمني الأمس شعور بالغ بالشفقة على هؤلاء ، و بدأت ربما للمرة الأولى أتعاطف مع هؤلاء و أجد أنهم حقاً هم الآن في موقف لا يُحسدون عليه ، و القصة بإختصار كما يلي :

بالأمس و بعد انتهاء يوم عمل طويل ، قررت البدء باستعراض بريدي الالكتروني و صفحتي الخاصة على الفيس بوك .

كان بريدي مزداناً بالورود و الأماني الطيبة و صور الثلج و الأشجار و الزلاجات و غزلان بابا نويل .

و بما أنه يأتيك بالأنباء من لم تزود كان من بين مقاطع الفيديو التي وصلتني مقطع من إحدى صديقاتي الغربيات للبوة تتفاجأ أن طريدتها ليست إلا رضيعة ، فتقرر التغلب على فطرتها و غريزتها و تعفو عن الطريدة ، بل و أن تلاعبها ، بل و الأنكى أن اللبوة تلك ، و بعد فاصل مذيب لكل الأحاسيس من اللطافة التي اعترت اللبوة و هي تداعب الطريدة بنطحها برفق على رأسها ، تلك اللبوة دافعت عن الطريدة ضد إحدى اللبوات التي تغلب عليها جوعها ، و كان من اللبوة الحنون أن وضعت الطريدة في مكان آمن و أمضت معها دقائق من اللهو كترضية لخاطرها و لابعاد الهلع عنها و طمأنتها .

رابط المقطع




كان أمراً مدهشاً استنزف انسانيتي و جعلني أذرف بعض الدموع قبل أن أتمكن من تذكير نفسي بغبطة العيد و فرحة الأولاد .

على المقلب الآخر ، كانت هناك إشارة لي على الفيس بوك لفيديو آخر ، إلا أن أبطال هذا الفيديو كانوا من البشر هذه المرة ، و كان أن شاهدت ، و ربما للمرة الأولى ، من يفتخر بإرسال بناته القُصّر إلى الموت .

لم أستوعب الأمر للوهلة الأولى ، و أعدت المقطع لبدايته قبل أن أنهيه ، و بعد إعادتي للمقطع ، قضيت الدقائق التالية و أنا أصلي كي يكون ما أشاهده هو إحدى مقالب الكاميرا الخفية السمجة التي يمارسها إعلامنا العربي بكل سماجة ، إلا أن المؤلم كان أن المقطع لم يكن كاميرا خفية ، و الأكثر ألماً أن المقطع قد صور في وطني ، و الأكثر سوداوية في الأمر ، أن ذلك المعتوه كان يتلقى المباركات و الاشادات في التعليقات ، و كان كل ذلك مزداناً بعبارة الله أكبر .

لن أتكلم لكم عن كمية الحزن التي اعترتني ، و لن أتكلم عن احساسي بالغربة الذي سيطر عليّ ، و لن أحدثكم عن كمية الغضب التي استولت عليّ ، كل ما في الأمر أنني ، و بعد تعاطفي مع رجال الدين الذين لن يجدوا هذه المرة ما يدافعون به عن ذلك القاتل المختل ، و أنهم في كل كتاب الله لن يجدوا إلا تشنيع الله على من يرسل بناته للقتل (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ *) بعد هذا و ذاك و ذاك ، فإنني لم أجد إلا أن أتجه لخالق هذا الكون أن يحشرني مع تلك اللبوة و يبعد قبري عن قبر ذلك المؤمن و أن يحرمني من الجنة إذا كانت تلك مسكناً لأمثال ذلك القاتل المختل .

رابط الفيديو الذي أتمنى أن تنساه البشرية جمعاء :






و شيء أخير أقوله للجميع ، إن الحق أكبر من مصالحنا و إمنياتنا ، و إن الله أكبر من أن ننصره بذبح أبنائنا ، و أن الظلم واقع حتى و إن كنا بأخلاق الملائكة ، فلا علاقة بما يجري معنا بقلة ايماننا كما يطبّل خبراء تخدير الشعوب .

أما الانسانية ، فهي السماء التي تظلنا كلنا ، و من العبث استثناء أحد منها ، و من يحاول ذلك فقد حكم على نفسه بالفشل و الانحلال و الذوبان ، لأنها أساس و كل ما سواها استثناء .

تصبحون على وطن عزيز حر يحترمه أبناؤه و يحترمهم .


الإبتساماتإخفاء