كريم صابر - تنفس كالصبح داخلي




تنفس كالصبح داخلي

  الكاتب: كريم صابر


إنها لغة أغرب من الغربة وأعجب من العجب وياليتك لو كتبت يفهمك أحد أو لو نظرت يُحدس بك أحد! يا لهذه الحياة شُد ما تفعله بقلب المتأملين وبئس ما يفعله الليل بالشاردين! وأنت أيها الشارد عني ما حكايتك! ولماذا تستر عني حكايتك في وضح النهار لتكشفها في هزيع الليل ومالك بثيابي ترديدها وشعري تصففه كما تشاء! وحبيبتي ما لك تأخذها مني وتركض! وما لك بي وكيف تكون في داخلي ولستَ أنا؟! 
هل سُلطت عليّ أم سلطتُ أنا عليك! ولماذا تقود جسدي شهرًا وتتركه لي يومًا؟!
أيا هذا الوهم الشاخص أمامي هلا وضعت يدك في يدي لنقود هذا الجسد الهزل سويًا! ما لنا لا نحدد له طريقًا واحدًا أسلكه أنا وتسلكه من خلفي أنت خيرًا من أن نُشتته في كل هذه الدروب الغائرة! 
أيا ذاك الظاعن المقيم في! 
تنفس كالصبح داخل قلبي.. أيها البعيد القادم من غياهب الذكرى.. لنكمل هذا الطريق سويًا.. 
إلى أن يتفس الصبح يوم تلاقي الأحبة.. عند السدرة.. 
لا تندثر ككوكب غائر في طيات دروب عمالة.. نقطة في بحر لا تُستبان على عظم حجمها.. كالأرض تُرصد من هناك.. في آخر المجرة.. نقطة واهية.. 
كن حينها كالشمس قريبًا تحترق داخلي.. لئلا يتصبب العرق حينها مني.. نستظل سويًا تحت عرش الرحمن بشريعة الحب بيننا.. 
أنزوي الآن في كبد الغياب.. أهرب. أركض.. آه لو تعلم ما في القلب إليك.. 
غدًا تصير إلى حال سبيلك وحال سبيلي ليس إلا إليك. أركض.. 
عسعس كالسحاب إلى السماء كالليل إلى الأرض كالأرض إلى المنتهى كالصراط إلى السدرة كالسدرة إلى المأوى.. 
تنفس حينها كالصبح داخلي.. 
يا أنا لماذا أُفتش عنك في المرآه لا ألقاك! ومن ذاك الغريب الذي أُشاهده في عيني! وما هذه النظرات المتوجسة الخائفة؟ أنا أعرفني صلدًا لا أنكسر، نارًا لا تبرُد! حصين لا مخبول! أهيف القلب لا غليظ! 
من هذا ولماذا أُصيب فؤاده بالتبلد وعقله بالحيرة! وهذه المرآة الحقيرة لماذا لا تُصاب بالدهشة! هل هي تكذب أم أن الحياة تُخادعه! ما حاجة المرآة للكذب وما هو إلا سطر في كتاب الحياة الأبدي! 
يصرخ! 
يُحطم مرآته، يترك طريقه المستقيم المعبد بالشذى ليختار طرقه العرجاء الوعرة، يرفض حياة المراهقة العابسة ويختار حياة المقاتلين! ولمَّ؟! لأنها لحظات الإرادة العارمة تجتاحك فتنمو بذرتها في أرض خصبة. تستفحل. تنتفش. فتتهجم عليك.. كذئب كاسر وأنت كشاة هزيلة.. ثم تتلوى كسمكة تحتضر تحت أنياب حوت.. 
تترك جسدك كدمية لهرة والغضب طفلٌ مخبول، يُقطع منك ما يطال ويترك وحيدًا لا رفيق إلا الأسى ولا مؤنسك إلا وحشتك ولا معزيك إلا قاتلك ، يقول لا ضير عليك يا هذا من الأسى! وكيف لا يُضر حصين لهوانه وقلبه الأهيف من يرؤم؟! وعيناه المتعبتين شاخصاتٍ في المدى تُبصر الهلاك في النهر وتشتم الموت من العبير الزاكي لتُحدسه في بستان الحياة مع ربيع العمر فما بال الخريف على القلب الأهيف! 
يخسر.. 
يؤذى..    
ينتكس.. 
لا ضير.. لا ضير 
 يقف أمام العاصفة ليُسقطه النسيم.. يهزأ بالسيف فُيقتل بالغمد.. يُخطئ ليتعلم.. وإلا فما الحكمة من أن يظل الخطأ على الرف لا يقربه.. ما الحكمة من أن يصير على درب مرسوم منذ بدء الخليقة.. لماذا لا يرسم هو خطه بصخبه وهدؤه، بدمعه وأجفانه، بدمه وماء روحه.. ببساط الليل وسحابة النهار.. بما في الحياة من موت وما بعد الموت من حياة.. بكل ما أودع الله في جانبه من ضدين يُسيرا الحياة لئلا يكون المعوج هناك مرشوق بصراخ العار.. 
وإلا فما قيمة الحقيقة دون الوهم والعظمة دون الضعة والحياة دون الموت واللين دون الشدة والصواب دون الخطأ والخطأ دون الخطيئة وما الطريق المستقيم دون المعوج وما المعنى إلا ضده وما قيمة أن تسير لا تقع وتصيب لا تُخطيء وما الذين يرسمون لنا الطريق إلا عابثين لم يلجوه،  وليسوا عليه بقادرين وبعدها تُبلي سيوطهم ظهورنا فيما نأت عنه أنفسهم..! لأنها عارية - عارية من خطيئة ترسم لها الطريق.. عارية من وهم أشبه بالحقيقة وحقيقة تبدد ما توهم الإنسان وأمسك بيديه من خيال.. عارية من موت هو ما تبقى في الحياة من سبب وحياة تتدحرج على قبة الموت الهائم يستمع حسيس (الحياة).. 
والفتى على كل هذا: 
يخسر..
يُهزم.. 
ينكسر..
لا ضير الأولى أنه انتصر لنار الغضب داخله.. الأغلب أنه أحس بما ينقصه من نشوة انتصار ولو كانت تضمر داخلها من الألم ما شاء الله.. الأكيد أنه يسلك الطريق الخاطيء الآن.. المؤكد أنه عرف الطريق الصواب.. المرجو أن يسلكه كما يصفه للسائلين.. الحقيقة أنه غالبًا لا يحدث والكارثة
" لو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم" 
وأنت يا أنا ما عليك حينما يقضي الله فيك أمرًا كان مفعولًا إلا أن تتنفس حينها كالصبح داخل قلبي والله غالبٌ على أمره. 


الإبتساماتإخفاء