د. محمد عبد العزيز أبو المجد - الإسلام وأركانه


الإسلام وأركانه

بقلم: د. محمد عبد العزيز أبو المجد

من منا لا يحفظ الحديث النبوي الذي يذكر أركان الإسلام الخمسة والذي يقول فيه النبي – صلى الله عليه وسلم- "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان"؟ وهذا الحديث يذكر أن الدين الإسلامي كبناء له خمسة أركان يقوم عليها ذلك البناء، وتحقيق هذه الأركان يمثل الحد الأدني من البناء، فبنظرة هندسية نجد أن أركان البناء هي الأعمدة التي تتطلب جدرانًا وسقفًا وغير ذلك لاكتمال البناء. وبعيدًا عن النظرة الهندسية نتحول إلى نظرة فلسفية أخرى، ولكن لنتفق أولاً على تعريف الفلسفة في هذا المقال، فالفلسفة هنا أعني بها المنهج أو القواعد النظرية التي تتحول إلى سلوك عملي يرتقي بحياة الفرد، وعلى ذلك فإن أركان الإسلام في حد ذاتها فلسفة بهذا المعنى. 

وباستعراض آيات كثيرة من القرآن الكريم نجد أن الله –تعالي- عندما يذكر الإيمان يذكر معه العمل في تلازم لا ينفصل أبدًا، والسؤال الجدير بالطرح هنا يتمثل في السعي إلى معرفة ما الإيمان وما العمل. فالإيمان هو قوة اعتقاد وتسليم للغيب المطلق وهو الله –تعالى- والعمل هو مؤدى العبادات وليس العبادات نفسها. أي أن الله –تعالى- عندما فرض علينا أركان الإسلام، وهي كما قلنا الحد الأدني الذي يتحقق به وصف الإسلام لله، كان الهدف، ولا يزال، هو ضبط السلوك البشري بما يتلائم مع مهمة الإنسان الكبرى وهي عمارة الأرض. فلا أعتقد أن الهدف من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله هو مجرد ترديد هذه الجملة باللسان، وإلا لكان كل من يقولها مسلم، وأذكر أنه كان لي زميل عمل هندي قد نطق هذه العبارة، فقلت له أتريد الإسلام؟ فقال: "إن هذه الجملة تأتي من هنا" وأشار إلى لسانه، "ولم تأت من هنا" وأشار إلى قلبه. وهذا يذكرني بموقف أبي جهل عندما قال للنبي –صلى الله عليه وسلم- "لو كانت كلمة لقلتها" يقصد كلمة "لا إله إلا الله". ومعنى ذلك أن أبا جهل قد أدرك دلالة هذه الكلمة وما يترتب عليها من التزام. ومعنى ذلك أيضًا أن أركان الإسلام عبارة عن وسائل تصل بالإنسان إلى غاية تتسق مع مهمته الكونية، وفي القيام بها تهيئة الإنسان لهذه المهمة. 

وبيان ذلك أن لكل ركن من أركان الإسلام مؤدى يصل إليه الإنسان من خلال تحقيق هذا الركن، أي أن إدراك وحدانية الله –تعالي- ورسالة نبيه محمد –صلى الله عليه وسلم- مؤداه هو مراقبة الله في كل عمل قبل القيام به، بمعنى أن الإنسان قبل أن يقدم على عمل أي شيء يقوم بعرضه على الله ورسوله فإذا وجد أن الله ورسوله يرضيهما ذلك العمل، فليقم به، والعكس صحيح. وهذا يتسق مع مسألة استفتاء القلب، فالمقصود باستفتاء القلب أن يعرض الواحد منا عمله قبل القيام به على الله ورسوله ويرى هل يقبل أن يلقى الله بهذا العمل أم لا وعليه يتم العمل أو يتراجع عنه. كما أن الإذعان لله والتسليم له يحقق نوعًا من الراحة النفسية والقلبية للإنسان، فكل ما يحدث له من أمور سواء رآها الإنسان خيرًا أو شرًا فهي من تدبير الله له في الحياة فإذا رضى عنها تحققت له السعادة، لأن السعادة الحقيقية تحدث عندما لا يأسى الإنسان على ما فاته ولا يفرح بما سيأتي. 

والركن الثاني والأهم وهو الصلاة نجده ليس مجرد القيام والقعود والذهاب إلى المسجد، وإنما مؤدى الصلاة هو الامتناع عن الإتيان بأي لون من ألوان الشر، وفي هذا يقول الله -تعالى- "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" (سورة العنكبوت 45)، وبالتالي من يصلى ويأتي بالفحشاء أو المنكر فلا صلاة له، ومن أدى الصلاة لتحقيق مصلحة في نفسه فلا صلاة له، وقد عبر عن ذلك المعنى أحد الشعراء بقوله:

إن رام شيئًا بالصلاة مقيمها    فتاركها عمدًا إلى الله أقرب

ولما كانت النفس أمارة بالسوء، إلا ما رحم ربي، وجب تأديبها وتهذيبها بشكل مستمر، لذا نجد الصلاة هي الركن المتكرر خمس مرات في اليوم، وهناك من الترغيب في ممارستها ما يملأ الكتب، فهناك صلوات النوافل، وصلاة القيام، كما أن المناسبات التي تحمل الفرح والشدة تستدعي الصلاة، فهناك صلاة الاستسقاء لاستجلاب المطر، وصلاة الجنازة، وصلاة العيدين، وهكذا. وهذا معناه أن الله –تعالي- يريد تهذيب نفوس البشر ونهيهم عن الشر بصورة مستمرة وفي كل مناسبة. هذا بجانب الفوائد البدنية والنفسية للصلاة والتي يضيق المقام عن ذكرها هنا.

ثم تأتي الزكاة التي تهدف إلى تحقيق التكافل الاجتماعي وتربية الإنسان على العطاء وتطهير النفس من الأنانية، بل تطهير النفس تطهيرًا مطلقًا من كل شر ومن كل صفة بشرية مذمومة، فهذا الركن وهو الزكاة يحقق توازنًا نفسيًا للفرد وتوازنًا اجتماعيًا للمجموعة البشرية، فإخراج المال في حد ذاته ليس هو المقصود الأوحد من ركن الزكاة، وإلا لكانت الضرائب مثلاً مثلها مثل الزكاة لأنها إخراج مال أيضًا. أما الزكاة والصدقة في الإسلام لهما وظائف اجتماعية ونفسية هائلة، ولذا نجد أن مجرد التبسم في أوجه الناس يعتبر من أوجه الصدقة، وكذلك ملاطفة الزوج لزوجته من باب الصدقة، ونشر العلم زكاة، وإدخال السرور على الناس بأي شكل حلال أيضًا صدقة. فالزكاة ليست مجرد إخراج مال للمحتاج فقط، بل هي سد حاجات الناس سواء من المال أو الحب أو لطيف العشرة أو الأمن أو غير ذلك. 

ونأتي إلى الصوم، وهو ركن عظيم ليس الهدف منه مجرد الامتناع عن الأكل والشرب والشهوة، وليس الهدف منه الإحساس بالفقراء وإلا لما فرض الصوم على الفقراء، فالفقير والغني يصومون، وإنما الهدف من ذلك الركن هو تحرير النفس من عبودية الرغبات، فالصوم هو التحرر من سلطان رغبات الأكل والشرب والشهوة، هو التحرر من تسلط النفس الآمرة بالشر، فلا سباب ولا عراك ولا مشاتمة، فالصوم يرتقي بالصائم من تابع لشهواته الحلال إلى متحكم في نفسه تحكمًا كاملاً، فإذا استطاع الإنسان أن يتحرر من الشهوة الحلال مثل الأكل والشرب، فهو أقدر أن يتحرر من سلطان الشهوة المحرمة، وهذا هو مؤدى ركن الصوم، ناهيك عن الفوائد الصحية والنفسية التي لا مجال لذكرها هنا. 

ونختم بركن الاتحاد والتجمع العالمي وهو الحج، فليس الحج هو مجرد الطواف حول بناء من الحجر والوقوف على جبل والسعي بين جبلين آخرين، وإنما مؤدى الحج هو الخروج من الدنيا والذهاب إلى الله في مشهد يشبه المشهد الختامي للدنيا، وهو مشهد البعث يوم القيامة، وهو ركن التجمع فإذا أقبل الناس على الله في مشهد يشبه مشهد البعث وانتهوا من ذلك خرجوا خالصين من كل ضغينة وعنصرية وهاهم يجتمعون في صعيد واحد في مؤتمر عالمي تحت راية واحدة تجعلهم قادرين على تحقيق سيادة العالم إذا ما استمرت حالة الاتحاد هذه في دمائهم ووجدانهم، ولذلك نجد الترغيب لمن لا يستطيعون الحج أن يعيشوا حال الحجيج في أيام الحج. 

وكل ما سبق هو مجرد أركان الإسلام وهي التي تمثل كما قلنا الحد الأدني من القيام بأمر ذلك الدين، فإذا ما أقمنا هذه الأركان، نستطيع بناء باقي البناء ليخرج بناء الإسلام متكاملاً متسقًا، حق لأصحابه أن يحققوا رسالتهم الكونية وهي عمارة الكون في سياق تعبيده لله الواحد القهار. 

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء