أميرة حسني - يرحمكم الله





يرحمكم الله

بقلم/ أميرة حسني


فصل الشتاء ..
هذا التوقيت من كل عام الذى تضعف فيه مناعتي وتتغير نفسيتي ويأتي هذا الضيف الذي لا أحب أن يتركني دون عدوى أنفلونزا حادة، أقضي اليوم بين مواعيد المضادات الحيوية والمشروبات الساخنة جدا فتلهب حنجرتي أكثر، أصاب بصداع الجيوب الأنفية والرشح المستمر، ولكن كل هذا أستطيع التعامل معه، إلا شيء واحد فقط يسبب لي الحرج ولا أستطع التحكم فيه ألا وهو " العطس".
يأتيني مباغتًا مسرعًا قبل حتى أن أرفع ورقة منديلي، يراوغني في الصلاة أو أثناء طهو الطعام.
أظل مرتبكة هل أكمل صلاتي؟ 
لا أستطيع بالطبع طوال فترة الشتاء التوقف عن الدخول للمطبخ والوقوف أمام الموقد فأطفالي صغار وزوجي لن يطيق الانتظار، تأتيني هذه "العطسة" وأنا أقف بكامل زينتي فتبعثر مظهري وتفسد مكياجي وأنا أضحك ويضحك من حولي مداعبين "يرحمكم الله" حتى صار صغيري يسير خلفي مازحًا "يرحمكم الله".
ما سر هذه "العطسة" ولماذا أقول بعدها الحمد لله؟
انتهزت فرصة جلوسي دقائق قبل انصرافي عن العمل وسهولة البحث في المواقع الإلكترونية في معرفة  أي معلومة وفوجئت بأن هذه " العطسة " نعمة يجب أن أحمد الله عليها فعلا، فهي ليست مجرد عرض من أعراض البرد ولا مجرد شعور يضايقني ولكن اكتشفت ما كنت اجهل، وأن هذا الألم الذي يصاحبني وأحيانا يمزق ضلوعي ما هو إلا رحمة من الله يستحق أن أحمده كثيرا بعدها، هذا الألم الذي أشكو منه وأضجر من تعرضي للإحراج بسببه سر عظيم من الأسرار الإلهية، فبمجرد دخول ذرات غبار أو رائحة نفاذة تؤذى الأنف فعظمة الله تتجلى في أن تجعل النهايات العصبية الموجودة تقوم  بدفع الهواء من الفم والأنف بسرعة 600 ميل في الساعة، وهذه السرعة الجبارة تستلزم طاقة كبيرة لإخراجها فتتوقف جميع وظائف الجسم عن العمل وبما فيها القلب وهذه القوة الكبيرة تضغط على العينين فتغلقها بشدة حتى لا تصاب بمكروه وإلا قفزت من مكانها.

كل هذا يحدث وأنا لا أعلمه؟
وبعد أن يعود جسدي للحياة في لحظات أشعر بالضجر والإحراج. أيقنت بعدها أن كل هذا الألم يعقبه شعور بالراحة والتي تستلزم قول الحمد لله، إن جسدي بعدها يعمل بكفاءة ويطرد ما يضر ويؤذيني لذلك فينبغي قول الحمد لله، أفقت على موعد انصرافي وأنا في طريق العودة للمنزل يجب أن أمر على سيدة بسيطة بجوارنا تحفظ لي حصتي من الخضار والفاكهة وأنا متضررة أنها لا تمر عليَّ في المنزل، أجدني أتذكر هذه العطسة والألم المصاحب الذي أخرج سمومًا من جسدي لأفيق بعدها على قول الحمد لله، فأذكر نفسي بأن ربما قدماي تؤلمانني وأرغب العودة سريعًا ولكن هذا الألم هو من واجباتي ومسئولياتي كأم وزوجة وأنني ربما كنت وحيدة أو ليس لديَّ عائلة ترهقني طلباتهم،  فأقول الحمد لله، وأنا أنظف الصحون الكثيرة وأصرخ في الأولاد فأذكر " العطسة " وأعرف أن هذه الصحون الكثيرة والتعب في تنظيفهم هي الألم الذي يعقبه راحة أن في بيتي طعام ربما ليس لدى غيري طعام يستدعي هذه الصحون الكثيرة فأقول الحمد لله. مشاحنات زوجي وصراخ الأولاد سواء كانوا يضحكون أو يتشاجرون، زحام الطريق  ومرارة الدواء في فمي كل هذه أشياء ربما تكون في بدايتها مؤلمة ولكنه الألم الذي يخرج منه الحياة، تماما كما ولدت أطفالي الصغار وتماما كما فرحت بعد رؤية وليدي الذي أنساني الألم ومعاناة الحمل ومتاعبه وأن ألم صغيري فيما بعد من شق أسنانه للثته أعقبها فرح بظهور أسنان جديدة، إذًا فرغم معاناتنا كبشر في أي شيء ليس سوى أكبر دليل على أنه الألم الذي يعقبه الفرح، ودليلنا على وجودنا في حياة كاملة، فلولا مرار الدواء ما شفيت ولولا تعبي في أعمالي المنزلية لما استطعت أن أقوم بواجباتي كأم وزوجة.
إذًا فكل ألم اشعر به ما هو إلا بداية طريق لفرح منتظر،  وسعادة قادمة، غيرت ملابسي واستعديت لدخول المطبخ لبداية رحلة طهو الطعام وأستعد لترتيب المنزل ومراجعة دروس الأولاد ولن أنسى ميعاد قهوة زوجي حتى أجلس آخر اليوم منهكة، ولكن قبل أن تحادثني نفسي على كل هذا التعب وكمية الجهد أذكر سر "العطسة" التي أخبرتني أن هذا الألم ما هو إلا دليل على وجود النعمة، تعلو وجهي ابتسامة أردد بعدها كلمة الحمد لله ويداعبني صغيري كما اعتاد دائمًا يرحمكم الله.


الإبتساماتإخفاء