د. أندرو ملاك - علمنى الطب




علمنى الطب

بقلم: د. أندرو ملاك


من أقسى ما وعيت من  الطب ، أن قيمة الحياة ليست واحدة عند كل الناس، فالمرضى بالنسبة لذويهم تختلف أحوالهم بشدة، ما بين عبءٍ يتمنون الخلاص منه إلى قطعٍ من أفئدتهم قد يبذلون حياتهم ذاتها في سبيل الحفاظ عليه .. البعض يخشى وفاة مريضه لمنظورٍٍ مادي كأن يكون شاباً يعول أسرته ولا عائل لهم غيره فلا وقت ولا مجال لدموع أو عواطف .. والبعض يتمنى موت مريضه لإرثٍ سارع في الحصول على إمضاء مريضه عليه لضمان حقه فيه الشرعي أو غير الشرعي .. البعض طحنهم الفقر بشدة إلى درجة غياب سمات البشر في التفكير عنهم، كيف سيحيون ومن سيعولهم بعد موت مريضهم هو كل ما يشغلهم .. والبعض طحنهم الفقر أكثر من سابقيهم إلا أن نفوسهم وعواطفهم لازالت راقية .. كم رأيت من زوج يتمنى الخلاص من زوجته المريضة لأنها صارت ثقيلة على نفسه، حتى أن أحدهم كان لا يتوقف عن الصراخ وافتعال المشاكل عندما نطالبه بأخذ مريضته لأن حالتها تحسنت، وكان لا يأتي لزيارة زوجته إلا لو علم أن أحد أهل الخير قد تعاطف مع حالتها ومنحها مبلغاً من المال فيأتي مسرعاً للحصول عليه وينصرف .. وعلى النقيض رأيت جدة طاعنة في السن يلتف حولها أحفادها ولا يتوقفون عن البكاء حزناً عليها وعلى استعداد لبذل أي شئ في سبيل الإبقاء عليها .. رأيت الزوج الذي يريد حياة جنينه ولو على حساب حياة الأم .. ورأيت الزوج العجوز ذو الخمسة وثمانين عاماً يبكي بحرقة لتدهور طفيف أصاب كلية زوجته السبعينية .. رأيت بناتاً يلتفون حول أبيهم حتى كتب لهم أملاكه ثم يرفضون الإسهام ولو بطلبات بسيطة ومصاريف يسيرة في علاجه .. رأيت الأم التي تحتضن ابنتها المريضة ورأيت الأم صاحبة العواطف الصماء الصخرية والتي لا تهتز حتى بعد أن تخبرها بوفاة ابنتها الشابة ....

لكنك تجد ايضا الامهات و هن جالسات تحت اقدام أبنائهن    حتى ينتهين من الجلسة والتى تتكرر ثلاث مرات اسبوعيا وكيف يعانون لينتظروا دورهن ككثير من الامهات اللواتي يطمحن أن ينهين الجلسة قبل أن يفوتن موعد وسيلة العودة للديار  .  

كل هذا يشبه مقولة الدكتور احمد خالد توفيق (  ﺇﻋﻤﻞ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﺭﻣﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺤﺮ .. ﺑﺸﺮﻁ ﺃﻥ ﻳﺮﺍﻙ ﺃﺣﺪﻫﻢ ﻭﺃﻧﺖ ﺗﻔﻌل ﺫﻟﻚ .. ﻋﻨﺪﻫﺎ ﺳﻴﺨﺒﺮ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ ﺃﻧﻚ ﻻ ﺗﻔﻌﻞ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻓﻘﻂ، ﺑﻞ ﻭﺗﺮﻣيه! ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺃﻳﻀﺎ) .

حكى لى أستاذا للتخدير والعناية المركزة باحدى المشفات الجامعية كيف أن ابناء احدى المرضى تركوها بعدما تاكدوا من انه لا يوجد امل فى شفائها وانهم ملوا  من تحمل نفقة علاجها .وعندما كان يحين موعد العلاج كان الطبيب يبعث التمريض لتخبر اى احد من مرافقيها ليحضره  ولكن كان لا يوجد احد من مرافقيها فما كان من اطباء العناية الا أن يجمعوا من بعضهم لتحمل نفقة علاجها التى تزيد عن ٤٠٠ج يوميا بعدما تخلى عنها ابنائها واستمر ذلك لمده شهر الى أن توافها الله لياتى الابناء ليقدموا بلاغا للنيابة يتهمون اطباء العناية بالاهمال وانهم هم السبب فى وفاة والدتهم  .

 و انت لست فى حاجة الى ممرضة لكى تاتى و  تقوم بتركيب جلسة الغسيل الكلوي لك و التى انت فى حاجة اليها ثلاث مرات اسبوعيا ولا تدرى كيف سيكون حالك حينها و هل ستجد مكانا شاغرا لكى تقم بجلسة الغسيل تلك.

فلا داعى للتفاخر بالمبادئ و القيم التى لديك طالما لم تختبر  بل اشكر الله دائما على نعمة الستر فلعلها إن اختبرت سقطت


الإبتساماتإخفاء