علاء حجازي - لماذا لا ترشح "الجدار" للبوكر؟

















لماذا لا ترشح "الجدار" للبوكر؟

كتب: علاء حجازي

إن رواية الجدار للروائية الشابة نورا ناجي رواية إنسانية رومانسية واقعية بامتياز، فهي تأخذك بين عواصم وبلاد لم تكن زرتها بالتأكيد، وتحكي شوارع وأزقة لم يكن القارئ قرأ عنها أو رآها إلا في شاشات التليفزيون. فالرواية تغوص بك من القاهرة إلى دبي "باريس العرب" ثم إلى "سيول" عاصمة كوريا الشمالية، حيث تعمل "حياة" بطلة "الجدار" صحفية وتتنقل بين البلاد الثلاثة في محاولة لنسيان ما حدث لها مع حبيبها خالد ومحاولة نسيان حبها له لأنه سيتزوج، وصارحته بذلك ولكن لظروفه الاجتماعية والأسرية يجبر على الزواج من أخرى ولا يقاتل من أجل حبه لحياة كما قاتلت هي.

وتتوالى الأحداث في الرواية ما بين صعود وهبوط في المشاعر لـ«حياة» ومحاولتها نسيان حبه وعلاقته الحميمية معه، وإجهاضها لابنتها ولا تخبره إلا في نهاية الرواية، فتسافر لدبي لوالدها وتلتقي بـ"سعود" الشاب الإماراتي المثقف فيقع في حبها ولكنّها تعتبره صديقًا وفياً وأخًا لها فتحكي له قصتها مع خالد فينصحها بالابتعاد لمحاولة نسيانه، فتتلقى عرضًا من وكالة أنباء عالمية كورية فتسافر، وتتوالى الأحداث بعملها في فترة احتلال "داعش" للعراق وسوريا، وترى كم المجازر اللا إنسانية، فتطبع صور الأطفال الموتى في مجزرة الغوطة في حلب، وصور الأطفال الغرقى اللاجئين للسواحل التركية واليونانية وتضعهم على جدار غرفتها المواجه لسرير نومها، ومن هنا تأتي عالمية الرواية السينمائي، وزيارة الأطفال (ألان الكردي- مآب المغتصبة من والدها – هند الطفلة ذات الأحد عشر شهرا – غِنى الطفلة السورية التي أخرجوها من تحت ركام المنزل)، كل هؤلاء الأطفال وأهمهم على الإطلاق طفلة حياة وصورتها في السونار.

إن الرواية التي تقع في أكثر من مائة أربعين صفحة تتميز بالأسلوب الأدبي الرائع والسعة المعرفية الغزيرة، والصور التعبيرية والتمثيلية، وقوة الأسلوب، والوصف الدقيق للمشاعر الإنسانية، وبما يمر في خاطر البطلة بأسلوب أدبي عالي المستوى والرقي.

الرواية تقع في أكثر من مائتي وخمسين صفحة تبحر بين صفحاتها دون توقف لترابطها ببعضها كبنيان روائي سردي محكم يكاد يكون أشبه بالسينما فلا تفهم أولها إلا بفراغك من آخر سطر فيها، فهي رواية شيقة بمعنى الكلمة.

وأيضًا ما تتفرد به الرواية سهولة الألفاظ والترابط القصصي المتراص والحكي السردي الإبداعي الذي يجعلك أسيرًا لآخر صفحة في الرواية لتكمل آخر الأحداث لتفهم أولها؛ لأن السر سيتضح مع آخر كلمة بالرواية.. ثق عزيز القارئ أنك ستأسر مثلي بجمالها ووصفها للصور الإنسانية الراقية، والمشاعر الحسية الجميلة التي لا تخفى عن صحفية متفردة بين أقرانها ومبدعة الإلهام دائما كاتبة الرواية، وستنهر دموعك مع المشاعر الرومانسية لحياة وحبيبها "تيو" الهولندي، وحبها الأبدي خالد.

بصراحة هناك فقرات يجب أن يتوقف عندها العقل البشري كثيرًا من المشهد الأول لخروج الفتاة (مآب) من الجدار، فهو مشهد جبار قوي ومؤثّر أشبه بأفلام الرعب، ثم ألان وخروجه من الجدار أيضاً، ووصف المشهد حقًا بأنه مشهد سينمائي قوي ومؤثر، بما فيه من رعب وإثارة وتعاطف وذهول وخوف.

"الجدار" مليئة بمشاهد سينمائية أوسكارية كأنها لوحة فنان يرسم بريشته الجميلة لوحة فنية تكاد تعادل الموناليزا في جمالها وأثرها في النفس البشرة.

وأعرض إليكم مقتطفات من رواية "الجدار":

(أرقد على الفراش أمام الجدار في الظلام، ضوء اللاب توب الخافت موجه إلي، مع ضوء صغير منبعث من الحمام، أتأمل الصور بدقة، أتأمل التفاصيل بجوار الوجوه، وجوه مبتسمة، وجوه نائمة في سلام، وجوه جامدة بلا حياة، أجسام ممزقة، شعر ثائر، ملابس رثة، أحذية.

أخرج كشافي الصغير من الحقيبة، أسلطه على صور بعينها، أسلطه على صوري الجديدة، عيناي تهتزان، والهواء من أمامي يثقل ويتذبذب، أرى ألان يخرج من الجدار زاحفاً، يزحف على الهواء، في المسافة الفاصلة بينه وين فراشي، ينام على طرف السرير ووجهه إلى الأسفل مثل الصورة، وخلفه تخرج مآب ماشية، تضع الطرحة السوداء على شعرها الثائر، وتعيد ضبط عباءتها السوداء الممزقة، تجلس بجواره، وتربت على ظهره، وهي تبتسم.

أسألها.. ما الذي حدث؟

تكمل تربيتها على ظهر الطفل النائم، وكأنها تخاف أن توقظه، تلملم أطراف عباءتها الممزقة حول جسمها النحيف المتسخ، وتقول: بردانة).

وأترك لك عزيزي القارئ الأسر مثلي بما تحتويه الرواية من صور تصويرية ومشاهد سينمائية محاكاة بقدرة فائقة المهارة والإبداع من صاحبة الروائع القصصية "نورا ناجي".

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء