حسام الخطيب - قاتل أبيه



 قاتل أبيه

حسام الخطيب



كانت امي ككل بنات جنسها تتوق الي الحب ، تحلم باليوم الذي سيأتي فيه فارس احلامها ليحملها علي حصانه الابيض ليمضي بها بعيدا الي قصره الذهبي ، حتي التقت بأبي ، كان هناك يقف الي جوارها وسط الحقول الخضراء الممتدة علي بساط الارض علي مد البصر لتلتقي مع السماء عند خط الافق .

كان جذابا مهيبا يقف باستقامة وشموخ وسط الحقل بثوبه الاخضر الزاهي ، نظر اليها ، فنظرت اليه ، ابتسم .. فضحكت . غمز بعينه فاطرقت خجلا ، همس في اذنيها بعبارة حب حبلي بمشاعرجميلة لم تدركها من قبل فاحمرت وجنتاها حياءا . تلفت من حوله ليتبين ان كان من احد يراهما ام لا قبل ان يهوي ليطبع علي وجنتها الوضاءة قبلة خاطفة ثم يعود لينظر حوله في خوف من جديد . يحسب أن لم يره احد.

ولكن الكل رأوه ، اصدقاؤه وصديقاتها ، القمر المنير والنجوم ورب النجوم ، مرورا بالطفل الذي يلعب في الحقل وحتي تلك الحسناء في نافذتها رات القبلة فزفرت في هيام قبل ان تعود لتنظر الي القمر في عشق جلي .

واستمرت لقاءات حبهما الجامح بلا حدود ، المشبوب بالعاطفة بلا كلل تنمو في ثبات وثقة حتي جاءت امي اليه يوما لتراه قائلة له في قلق :

اخشي ان يفتضح امرنا
لا تخشي شيئا . لكم سترنا أنا وأنت علي المحبين ، يأتون ليتبادلوا احاديث العشق والغرام تحت انظارنا ونحن نصرف عنهم الابصار ، أفيكون كل هذا الحب حلالا وحبنا حرام
أخشي عليك ايضا
ممن ؟
من الناس
لا تقلقي .. يكفيني حبك هو درعي دون غدر الناس
اطرقت أمي في حيرة ولم تتكلم ولكن خوفها ظل بذرة في قلبها يزكيها ويرويها حديث الناس عن حبهما المحرم ، وشعرت امي بي اتحرك في احشائها . أحست ذلك الاحساس الذي اشتهته كلما سمعت عنه ، احساس بأمومة علي وشك الحدوث ، وفرحت بهذا الشعور الجميل ولو تطق صبرا حتي تسعد ابي بالخبر فذهبت اليه تستطلع مكانه لتخبره عن هذا النبأ السعيد . ولكنها لم تجده

أين زوجها ... اين حبيبها ... اين تؤوم روحها . مالك امرها . اسر قلبها . أين ابي . لا تدري ، لم تجد سوي جلبابه الأخضر ممزقا الي قطع صغيرة .. فيما بعد سمعت ان بعض الرجال غلاظ القلوب . قساة الملامح قد أتوا بالفؤوس يريدون به غدرا قبل ان يمزقوه أربا علي حين غفلة منه

لا تدري ما الجرم الذي ارتكبه ، حبه للخير أم حبه لها ، اظلاله للحب ام تستره علي العاشقين ، حزنت امي كثيرا علي وفاة أبي حتي ان دموعها كفت الحقول ريا وسقيا، وصممت ان تحتفظ بي مهما كلفها الثمن ، وظللت اكبر داخل احشائها وهي تخاطبني .. تناجيني .. تحادثني في همس . وأنا مازلت جنينا في رحمها ترجو مني الخروج الي الدنيا حتي احميها واحبها مثلما كان يفعل أبي ، وأقترب موعد ولادتي .. وتغير الناس من حولها ، عبست الوجوه الباسمة ، وتغيرت النظرات من حب الي قلق وحيرة ، واحيانا الي لوم مصحوب بإشفاق .

ولم تفهم امي سر تغير الناس ، بل ولم تربط بينه وبين حبها لأبي وحملها بي ، لم تشعر لحظة أن حبهما حراما ، بل شعرت أنه أرق وأعذب من كل قصص الحب عبر التاريخ

انه حب ولد من رحم الحياة وأشهدا عليه السماء والأرض ، لم يسترانه أو يخبئانه مثلما يفعل الاخرون ... بل جاهرا به بقوة علي مسمع ومرأي من الجميع

وجاءت ولادتي ... والتف الناس حولها .. لم يمد أحدا يدأ لمساعدتها ...كأنما ارادوا أن تموت وأموت داخلها ، صرخت امي فضحكوا ... ولولت فتبسموا ، جاءها الطلق وخرج رأسي في البداية من داخل رحمها فابتسمت اخيرا .. ها قد اتي خلاصي .. شدت من عزمها حتي خرج معظم جسدي ولم تبق سوي ساقاي .

فتحت عيوني لاري وجه امي الجميل التقاسيم وسط جمع من الناس . رجالا ونساءا واطفالا . لم تلق هي بالا لهم ، وهي تتطلغ الي حسني وبهائي ، ولكن من هذا الرجل الذي أتي من خلف امي يريد بها شرا ، وما هذه الفأس التي تلمع بالغدر في ضوء الشمس ... ارتعد قلب بين الضلوع وصرخ طفل بين الجموع ان اتركوها . هتفت بصوت مبحوح " احترسي يا امي " ولكن امي لم تري الرجل ولم تنصت للطفل .. وجاء صوتي اليها كموسيقي ملائكية من السماء تلذذت بالسماع اليها ، وهوي الفأس علي قلب امي ليقتلها ويقتل معها كل المشاعر الجميلة والخيرة التي حملتها لي ولأبي وللجميع ، وفصلت رأسها التي طالما فكرت في الخير عن جسدها الذي طالما فعله . وعشت انأ ، عشت أنا بدون ساقين ، عشت مشوها ، كان لابد ان تموت أمي كي اعيش أنا ، وعشت أنا بين الناس الذين قتلوا امي ، وهم يتصايحون فيما بينهم "قاتل ابيه " " قاتل امه ".

وصممت الا أدع الحب يطرق قلبي أبدا

ساعيش بكرا إلي الأبد

وساحمل اللقلب الذي طالما اطلقه علي الناس عبر الزمن

قاتل ابيه

التوقيع " شجرة موز" الشهير ب " قاتل ابيه "


الإبتساماتإخفاء