أحمد خليل الجنايني - علي الرصيف






 قصه (علي الرصيف)

أحمد خليل الجنايني - القاهره


عمت شمس الشتاء الباهته المكان , وبدأ ضجيج صباح القاهره يتقدم رويدا رويدا مزيح ظلمه شبه صامته .

جلس الصبي  " حسن " علي الرصيف مستترا من قسوه برد الشتاء و مرتديا  بيجامه قطنيه مهترئه , وجورب يكشف عن كعب لقدم متسخ مليئ بشقوق حياه شاقه ومحبطه منتظر محل " عم محمد " ان يبدأ عمله .



تسلل الصبي بين السيارات ووقف اما باب المحل وعيناه تشتهي سندوتشات الفول و الفلافل التي تلف بالورق الابيض محاولا الاختباء من عين " سلام " صبي "عم محمد " بين السيارات التي امام المحل ., وفي تلك اللحظه نزلت امراه متوسطه العمر من سيارتها  السوداء تاركه ولد وفتاتين بداخلها مرتدين لباس المدرسه , وسارت مسرعه الي المحل وهي ناظره الي  " حسن " نظره تملئها الحنان وان كانت لا تخلو من بعض الشفقه والاندهاش ! .



تتبع الصبي المراه بعينه وهي تشتري حاجتها من داخل المحل, لعله يتحسس في نظراتها الحانيه مشاعر يشتاق اليها منذ زمن .



نظر " حسن " الي الاطفال في السياره , ورائ كل منهم ممسكا بقلم طويل في نهايته وجه لدوميه صغير ويرسمون علي ورق لكراسه مخصصه للرسم , ارتسمت علي وجه ابتسامه تملئها الحسره حتي انتبه لقطرات الدموع المالحه المنسابه من عنينه  وهي تدخل في فمة المبتسم , ثم نظر الي الارض فوجد نفسه ممسكا بطوبه صغيره ويرسم بها خطوط علي الرصيف , تامل حاله  وبدات تنهمر دموعه حتي تساقطت كقطرات المطر ,  ثم ظهرت فجاءه في عينه العاجزه علي حمل دموعه نظرات جامده وحاده , وتلون وجهه باحمرار نار الغضب واشتعل قلبه غبطه علي الاخرين, وظل يرسم بالطوبه الصغيره - ولكن بعنف  - خطوط علي الرصيف حتي تفتت الطوبه في يده .



سمع الصبي صوت خطوات تقترب منه فنظر الي مصدر تلك الخطوات فاذا بالمراه صاحبه السياره السوداء تقترب منه حامله في احدي يديها كيس  به العديد من اللفائف الورقيه البيضاء وفي يدها الاخري كيس صغير به لفه ورقيه بيضاء , وقف  " حسن " ورمي بقايا الطوبه المتفتته من يده علي الارض وهم ان يجري بعيدا عن المراءه التي تقترف منه .



تعالي با ابني ما تخفش .... نادته المرأه

تسمرت قدمين الصبي مكانهما بعد سماع كلمه  " ابني " ,  وارتجف قلبه . هل من الخوف ام من القلق او من واقع كلمه " ابني " عليه والتي افتقدها في وسط امواج الحياه الهائجه لا يعلم .

اقتربت المرأه من الصبي اكتر حتي اعطته الكيس الصغير الذي كان في احدي يديها قائله :

"خد دول افطر بيهم بس خلي بالك لحد ياخدهم منك "

وذهبت مسرعه حتي ركبت سياراتها السوداء التي بداخلها اطفالها وسارت بها حيث الطريق وحيث السيارات تسير .





                                          *****



جلس " حسن "  اسفل شجره صغيره علي الرصيف بالقرب من مدخل عماره كئيبه , مختبا من اعين الماره. ثم قام باصدار صافره منغمه من فمه يحفظها جيدا , فاذا بقطه رماديه مموجه بخطوط بيضاء وسوداء تاني مسرعه من داخل العماره الكئيبه لتقف بجواره .



اخرج الصبي اللفافه البيضاء من الكيس وقام بفرشها علي ارض الرصيف , واخرج ساندوتشين الفول والفلافل وظلا يتقاسمان اكل الطعام بشهيه ورضا , حتي انتهيا من طعامهما وقفت القطه تنظر اليه بيعين ممتنه تغمضها وتفتحها من اثر شعاع الشمس الهارب من بين اوراق الشجره الصغيره المتوارين اسفلها , اجلسها " حسن " بجواره  , وقام يتحسس جسمها النحيل الملئ بجروح ناتجه من صراعات الحياه , وبصمت العطف والحنان ظل يتاملها وهي تغسل وجهها بيدها اليمني , وتحرك زيلها بشكل الي تعبيرا عن سعادتها مصدره صوت يشه صوت ازيز الماء الذي يغلي , دقائق من الصمت مرت لم يقطعها سوي صوت دموع  "حسن"  التي تسقط علي الورق الابيض المتسخ ببقع الزيت وبقايا الطعام , لا يعلم  سبب لهذه الدموع  ولكنها تغلب عليه حين يجلس بجوار القطه , وحين يملس عليها بيده الدافقه علي جسدها العظمي وحين  تنظر اليه بين الحين والحين مغمضه عينها باسترخاء وسكون كسكون المحب في حضن حبيبته .



بعد لحظات سمع صوت اقدام خارجه من مدخل العماره الكئيبه , فانتبه  "حسن " وانتبهت القطه فوقفت مفزوعه محركه اذنيها الي الامام ناظره الي مدخل العماره  بخوف ,  ثم اخدت بفمها  قطعه متبقيه من الطعام ثم جرت مسرعه الي داخل العماره خوفا علي صغارها المختبؤن في غرفه البواب القديمه و المهجوره اسفل السلم . نظر الصبي الي القطه وهي تجري وانتظر حتي دخلت العماره ليطمئن عليها , ثم وقف واختبئ خلف جزع الشجره النحيل منتظر خروج صاحب صوت الاقدام من العماره .



خرج من العماره رجل اسود - نوبي – ضخم مرتديا جلباب ابيض وتلفيحه بيضاء علي الرأس , وممسكا بعصاه غليظه " شومه " , عرفه " حسن " هذا عم  " سيد " حارس العماره الكئيبه , طالما حدثت مناوشات وصدامات بينهم من قبل بسبب جلوس " حسن " الدائم بالقرب من مدخل العماره مما كان يسبب انزعاج لسكان العماره وحارسها . وقف الحارس قليلا امام مدخل العماره عابس الوجه ونظر يمينا ويسارا ثم دخل مره اخري الي داخل العماره .



مرت لحظات واستقر قلب الصبي وذهب عنه القلق والخوف –ولو مؤقتا , ثم جلس مره اخري علي  الرصيف مرتكنا بظهره علي جزع الشجره النحيل و ممدا قدميه امامه مستمتعا باشاعه شمس الشتاء الداقفه ومغمضا عينه  وسارحا في مشاهد فلم حياته الابيض والاسود .



حسن ...... حسن ......... حسن !



نداء كسر سكون الغفله واوقف شريط الحياه بسنواته العشر والتي كانت تمر امام عينه كمشاهد معتمه وكئيبه متمنيا ان يستيقظ منه سريعا .



انتبه  "حسن "للنداء واعتدل في جلسته ونظر الي مصدر الصوت الذي بنادي , رائ علي الرصيف المقابل ثلاث صيبه في اعمار متقاربه مرتدين لابس مهترئ متشابه الشكل , نظر اليهم بتمعن فعرفهم وتذكر مضايقتهم الدائمه له وسخريتهم الدائمه منه  , فادر وجهه عنهم بلامبالاه   وعاد لجلسته السابقه سارحا في  شريط حياته مره اخري



انت قاعد كده ليه ؟!   قالها اصغر الصبيه الثلاث بصوت يغلب عليه السخريه .

ثم اتبعه الصبي الثاني قائلا بسخريه ايضا :

انت لسه قاعد مستني القطه صحبتك تيجي  ؟!!! هاهاها , ثم اشار اليه بصباعه اشاره بذيئه .

اما الصبي الثالث والذي يبدوا من مظهره انه اكبرهم سننا فتحدث موجها حديثه لزملائه بعد ما ابتدوا ان يسيروا في طريقهم مره اخري ولكن بصوت عالي سمعه حسن :                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                          

ابن .... كل يوم يجي علشان ياكل القطه ما ياكل نفسه الاول با اخي  ( ......) - لفظ خارج – فعلا صدق من ناداه ب " حسن عضمه" !!. 



اعاد "حسن " وجهه ذو الملامح الثلجيه الي حيث ما كان مسندا راسه علي جزع الشجره النحيل , واغمض عينه واستكمل مشاهده فلمه الابيض والاسود الحزين ,

بعد لحظات من الصمت الصوفي التأملي انتبه مفزوعا علي صوت ارتطام عصاه غليظه علي الارص مصحوبا بصريخ وزعيق اتي من خلفه من ناحيه مدخل العماره الكئيبه .



هم الصبي علي الجري معتقدا ان الرجل الاسود الضخم – حارس العماره – قد رأه وجاء ليضربه كما هو المعتاد , لكنه نظر خلفه فوجد القطه صاحبته خارجه تجري من العماره في حاله من الخوف والهلع لا تري من هو امامها او حولها , والرجل الضخم بيجري خلفها رافع عصاته الغليظه صائحا :



اخرجي بقي من العماره  جبتيلي الكلام جتك القرف .............



اثناء جري القطه الهستيري نزلت من علي الرصيف ودخلت في نهر الطريق دون ان تشعر , فاذا بدراجه بخاريه عليها شابين اتيه مسرعه لتصتدم بها قاذفه اياها في الهواء لتسقط وترتطم بالارص علي الرصيف امام  " حسن " ملطخه الرصيف وبيجامته برزاز من الدماء وبقايا من الاكل المخطلت بالدماء خارج من فمها .



تسمرت عين " حسن " في ذهول من هول الصدمه  , وسمع صوت الرجل الضخم اتي من الخلف قائلا :



احسن في داهيه ................!



وظل الصبي في ذهوله ناظر الي صديقته الصغيره وهي ملقاه علي جنبها علي الرصيف ترتعش يدها بشكل ألي ,  والدماء تنسال من جانب فمها  , وجفونها سابله ترتعش تفتح عينها بصعوبه ناطره اليه , ثم تحرك راسها الي اسفل قليلا لتنظر الي مدخل العماره التي بها صغارها , وتعود لتنظر اليه مره اخري بعد ما رائ كانما  قطره من الدموع نزلت من عينها ثم عرفت طريقها الي الارض مسرعه .



حل سكون الموت علي جسد القطه الصغيره , وتحولت نظرتها المتالمه  الي نظره للمجهول , واصبح حسدها كقطعه اللحم الملقاه علي الطريق تتصارع عليها الدقائق والساعات لتنهشها وتحولها الي تراب تدوسه الاقدام .



حمل "الصبي " القطه علي يديه  , ومازالت دموع عينه حبيسه مقلتيه لا تستطع ان تحطم حاجز الصدمه  لتخرج  وتنهمر  !!, ثم وضع الجسد العظمي علي الورق الابيض المتسخ بالزيت ,  والذي كان شاهد منذ دقائق علي الطعام الذي تقاسماه  سويا  , ثم لف الجسد بالورق جيدا ثم وضعه في الشنطه البلستيكيه واحكم اغلاقها , وبدا يحفر بيديه بجانب الشجره حتي احدث حفره استطاعت ان تحتوي بداخلها الجسد المكفن  , ثم بدا ليردم هذه الحفره , ومع اخر زره طين لم يتمالك " حسن " دموعه  فبدات تنهمر من عينه  كالسيول المدمره , وامسك  الشجره بيديه , ووضع حبينه علي جزعها البائس , وبكي بشده محدثا صوت عويل اهتز به جسمه الصغير والشجره الصديقه . ثم توقف فجاءه عن البكاء وادار واجهه الي مدخل العماره الكئيبه متذكرا صغار القطه وانهم قد يكونوا جائعين , وتذكرايضا نظره الام اليه قبل لحظات من موتها وكانها بتوصيه عليهم , فاذا به يمسح عينيه بكم بيجامته المتسخ ووقف وجري مسرعا لياتي بلبن للصغار , ودخل نهرالطريق وهو يجري بسرعه مستهتره ولا يري امام عيبه سوي جسد صديقته القطه وهي مسجاه علي الارض وسط دمائها , في تلك اللحظه يسمع صوت احتكاك كاوتش بالاسفلت محدثا دوي هائل فادار " حسن " وجهه بسرعه نحو مصدر الصوت مفزوعا فاذا بدراجه بخاريه اتيه مسرعه و يركبها اثنان ويصيح الراكب الامامي باعلي صوته و بشكل هيستيري " حااااااااااااااااااااااااااااسيب ........." .












الإبتساماتإخفاء