على عمر - حضن الارض (2)




مضت الأيام ثقيله وطويله، عدت في إجازه الي البيت بل الي حياتي السابقه ، حياه ما قبل الحرب ، اشعر أن شيئاً ما تغير بداخلي ، لم أعد كسابق عهدي ، أفكر كل ساعه في الميدان وما حدث فيه ، أستعيد تفاصيل كل شيء،  وكان الميدان كفيل بتغيير كل شي بي....   جلست مع أصدقاء لي علي مقهي قريب من منزلي ، كنت هناك بجسدي، بينما عقلي يشرد بين الحين والأخر ليعود مره أخري الي مشاهد محفورة بذاكراتي
 ..................................... 
سيناء -معسكر التدريب – قبل سنتين –عند  بزوغ الفجر 
صوت إندفاع مياه رهيب، لم أستطع التنفس الماء يملأ أنفي وفمي ، ارتطم جسمي بالأرض ، المياه تندفع في كل مكان استطدمت بأحد أعمدة الأسره .....خراطيم المياه تدفع اجسامنا كنا جميعاً نائمين نترقب صفارة طابور الصباح ، كان يومي الاول في "الصاعقه"، والشاويش "رضا" يقف تلمحه أعيننا بين الحين والأخر تملئه النشوه وهو يري أجسامنا ترتطم ببعضها وتتقارب جميعاً كقطعه لحم واحده ....!!!، بل أخذ ينادي بعضنا مستخدماً صيغه المؤنث واطلق أسماء نساء علينا جميعاً ليمعن في إهانة رجولتنا صوت يشبه الرعد: 
-اتحركي يا حلوه انت وهي بره العنبر بسرعه يا "سوسن" ؟ 
المياه تدفع دفعاً لتلقي بنا خارج باب العنبر وفي الظلام تعثرت اقدامنا وسقطت أجسادنا علي أرض وحله حيث طلب الشاويش "رضا" أن نزحف علي بطوننا لساعة كامل ، أرتعش جسدي وكدت أفقد الوعي.... غير أني تنبهت علي صوت "عبدالله" أحد المجندين من الصعيد ووجهه الأسمر يملائه الوحل -ورحمة أمي يا " رضا" ما هفوتها لك ..؟ لم يُسمع صوته فقد طغي صوت المياه و حركه أجسامنا في الوحل علي كل شيء تذكرت كل هذا بينما انا جالس استمع الي حديث أصدقائي عدت الي المنزل حيث بادرتني أمي : إيه حكايتك يا أحمد إنت صرفت نظر عن موضوع ساره ولا إيه ؟ يا ابني أنا نفسي افرح بيك قبل لما اموت ؟! أمي تلح علي في أن أسرع بالزواج ، هي لا تدرك أن شيء ما قد تغير بداخلي ، لم اعد أري الحياه كما كنت أراها من قبل ، لقد غير الميدان كثيراً في نفسي ، أشعر بالغربه في بيتي وبين أصدقائي ، حتي " ساره " إبنة خالي وحبي الأول لاحظت ذلك التغير في ، شيء ما لا أستطيع إخفائه عن الناس ، هي تظن أني قد وقعت في حب أخري ، هي لا تعرف إن شيء ما قد كُسر بداخلي ، ما كان يسعدني بالأمس لا يفرحني اليوم ، لقد رأيت وشَممت رائحه الموت، رأيت أشلاء "مصطفي" تتناثر من حولي ، تذكرت أمه حين طُلب مني أن أُبلغها بالخبر ، تذكرت بكائها وهو تضرب الارض بيمينها تذكرت ضحكه وأحلامه ، تذكرت عجزي وقله حيلتي وانا أبكي أمام أمه ولساني مازال يردد " اللهم لا ملجأ منك إلا إليك "
و إلأن تطلب أمي أن أتعامل مع "ساره" كما يتعامل المحبوبين أحبها ولكن شيء ما أكبر مني قد غيرني شيء ما يربطني مجدداً بالميدان
 ........................................
تهيأت للعوده الي المعسكر فقد انتهت ايام الاجازه المعدوده ربما بسرعه كما تعتقد أمي كنت قد التحقت انا وبعض زملاء لي في وحده جديده هي وحده "التدخل السريع" وكانت لتلك الوحده مهام خاصه لا نُبلغ بها الا قبل المهمه بساعات ، حين علمت بأسم الوحده تبينت ان مهمتنا هي مهمات محدده وسريعه تتم في زمن قصير وبالطبع من دون خسائر ، عدد للفرقه ثلاثون فرداً تم أختيار أغلب الأفراد من وحده "الصاعقه" ووحده "المظلات" ووحدات أخرس كنا نتدرب علي التصويب واطلاق النار ونحن في وضع "طائر" كنا نصوب ونحن نقفز من فوق المباني أو حين نقفز من عربات متحركه وقبل ان نسقط علي الارض يجيب أن نصيب الهدف ولا مجال للخطأ "فارغ الرصاصه الواحده يعني أصابه هدف لا مجال لفارغ أخر " بهذه الجمله كنا ننفذ كل شيء واذكر ما عاناه اصدقاء لي بل عانيته شخصياً حين اهدرت بعض الطلقات وكان "التكدير" لمده أسبوع كامل كافياً لاصابه الهدف بطلقه واحده ....  
-رحت فين يا ريس وبتكتب أيه؟ 
بادرني "عبد الله" حين رأني شارداً فور وصولي الي عنبر الكتيبه
 -والله يا عبد الله مش عارف ؟ هو احنا هنعمل ايه بكل التدريبات ده ؟ ولامتى هنفضل في حاله الحرب دي ؟ كل شويه افتكر مصطفي وغيره وغيره ؟ ولامته الحرب هتفضل مكمله ؟ انا ما بقتش عارف اعيش بعيد عن المعسكر وعن الحرب حاسس ان حياتي اتغيرت يا عبد الله وكل اللي حاوليه حاسين بكده ! 
-بكره تتعدل مفيش حاجه بدوم علي حالها ! 
-المشكله يا عبد الله مش في شويه الحيوانات اللس بنحاربها المشكله في الاجيال اللي جايه؟ الاطفال والشباب الصغير ، احنا فجأه لقينا داعش في سينا وظهر لينا ناس ما كناش مصدقين انهم مصريين وعايشين ما بنا بينتموا لداعي وبيتبنوا فكرهم ، وبيفرحوا بالعمليات إليّ داهش بتعملها واللله أنا اعرف دكاترة ومهندسين بيفكروا زي ما داعش بتفكر يا عبدالله في طبقه كامله احنا ما نعرفش عنها حاجه بيتربوا وبيكبروا وفجأه بنلاقي نفسنا بنحاربهم ! 
-يا عم داعش دول مش مصريين ! 
-لاه طبعاً، فيهم مصريين وكمان في غيرهم بيشجعهم وبينتمي لافكارهم بس مستخبي وخايف يتكلم ، الموضوع اكبر من الاعداد اللي بنحاربها يا عبدالله؟ 
-وطي صوتك يا معلم وخبي اللي انت بتكتبه ده ؟ 
-ليه هو احنا بنقول حاجه غلط ؟ 
-يا عّم الله لا يسيئك ! كنت أؤمن أن المشكله ليست في الحرب وحدها ولكن الموضوع أكبر من ذلك ... مساء الْيَوْمَ التالي صدرت الاوام لنا بالنوم مبكراً في تلك الليله وكانت هذا مؤشراً كافياً ليخبر عن تنفيذ عمليه جديده ، كنت قد الفت ارض سيناء جيداً الان احفظ كل شبر بها وأجد ذلك الجنين بين رمالها، وأستجيب لندائي الداخلي او ربما نداء السماء لأحتمي بها من موت كان قد أحاط بي ، لا أجد تفسيراً واحداً لتلك الحاله التي تعتريني حين أمدد جسدي وأحتمي بالأرض ربما هي دعوات امي وربما هي السماء فربما لم يحن بعد موعدي معها 
-أجهز يا ريس لبكره ؟ ربنا يستر! 
-عارف يا عبدالله انا عمري ما حاربت وانا خايف اموت يمكن علشان كده ربنا بيسترها 
-ربنا يستر
 -الظاهر بكره هندخل زويد تاني ؟ 
لم يكن مسموح لنا باستخدام الهواتف او مشاهده التلفزيون او الاستماع الي الراديوا كنا قي عزله تامه عن كل شيء ولم يكن مصرح لاحد منا ان يتحدث عما نفعله ولا عن نوع العمليات 
-خير ان شاء الله لم تمر الا ساعه واحده حتي انتفضنا جميعاً علي صوت قائد الفرقة وهو يأمرنا بالاستعداد وارتداء ملابسنا وحمل اسلحتنا والمعدات في اقل من خمسه عشر دقيقه اصطفت العربات امام باب الفرقة وعلم كل وأحد منا مكانه المخصص له كانت العربات تنهب في الارض نهباً كل شيء يتم بسرعه ، تعجبت فهذا هي المره الاولي التي نخرج فيها لتنفيذ مهمه من دون شرح لطبيعه المهمه ، لم نتلقي اي تعليمات وما هي الا ساعه حتي وصلنا الي مدرج للطائرات .! 
علا صوت قائد الفرقه يأمرنا بالتحرك لركوب طائره الحربيه لم نكن نعلم اين سنهبط وما هي المهمه الموكله لنا لم نعلم شيء ولم يجرأ أحد علي السؤال الكل يشعر ان الامر خطير ولكننا في تلك الظروف نطيع الاوامر ولا مجال للمناقشه حلقت الطائرات في الهواء قضينا قرابه الساعه في الهواء قبل ان تستقر الطائره في تلك القاعده العسكريه تحركت المجموعه الي عنابر خُصصت للمبيت فور سماعنا أمر قائد القاعده العسكريه كنت اود لو ان احدهم اخبرنا اين نحن الان وما هي المهمه
 -عبدالله انت صاحي ؟ 
-ومين جايله نوم ؟ هو ايه اللي بيحصل؟ واحنا فين اصلاً؟ 
-علمي علمك ؟ انا تعبان وعايز انام ، يلا حاول تريح شويه علشان بكره ؟ 
علي غير العاده لم يكن هناك طابور للصباح فقط أُمرنا بالتحرك "للميز" لتناول وجبه الافطار ثم وفي تمام الثامنه صباحاً امر قائد القاعده الجميع بالتواجه إليّ القاعه الرئيسيه للقاعده الحربيه، ساعتها ادركت انها لحظه الكشف عن تفاصيل المهمه كانت الفرقه مكونه من ثلاثين مقاتل جلسنا جميعاً في معاقد خصصت لنا ملتفين حول شاشه عرض كبيره ، وقف قائد الفرقه يتحدث للجميع -هنتفرج علي فيلم صغير وبعد كده هنبدأ الاجتماع ؟ لا أستطيع وصف مشاعري ساعتها تتابعت دقات قلبي لم استطيع أخفاء ما بدا علي وجهي وقد غلي الدم في عروق جسدي رأيت مجموعه من الرجال بملابسهم البرتقاليه وقد امسك بكل رجل منهم رجل أخر ملثم واضعاً يده علي كتف الرجل ذو الملابس البرتقاليه كانوا جميعاً يسيرون علي شاطيء بحر وهنا تحدث القائد -الناس اللي لابسه البدله البرتقاني دول واحد وعشرين مصري شغالين في ليبيا وداعش خطفتهم وذبحوهم بالطريقه اللي انتو شايفنها دي لم اتمالك نفسي وانا انظر الي افراد داعش في ملابسهم السوداء وقد اخفَو وجوههم احتقن وجهي بالدماء وانا انظر كيف اجلسوا ضحاياهم علي رمال الشاطيء بل وكيف تمت عمليه الذبح لن انسي وجهه وهو يتمتم قبل ان يُذبح، لم أري اي اثر للمقاومه لم أري بكاء احدهم رأيت فقط الثبات رأيت راحه ورضا في عيونهم رايته وهو يتحدث الي اهل السماء لا شي يستطيع وصف مشاعري في تلك اللحظات .! لن أنسى موج البحر وقد امتزج بالدماء انظر الي قائد الفرقه وهو يلقي تعليمات المهمه ، هذه المره لن تكن الارض مصريه ، ستتم عمليه انزال للفرقه بجنوب مدينة درنة الليبية.! في تلك المره تناسيت علاقتي بالارض ، كنت احب ان اقاتل في ارض آلفها وتألفني اما في ارض غربيه عني لا اعلم شيء عنها فهو أصعب علي ، أعلم جيداً ان ما اشعر به من ارتباط بالارض لا تفسره قوانين الحروب ولا اجد تفسير أخر لاستجابتي لندائي الداخلي بالاحتماء بها سوى ان ساعتي لم تحت بعد ، كانت مشاعري مختلفه في ذلك اليوم لا يزال منظر المصريين في تلك الملايس الغريبه وتلك الجِلسه المهينه وطريقه الذبح لا تفارق عقلي ، تجردت من كل شيء يربطني بالحياه وهنا طلبت الموت 
عبد الله: انت عارف العيال اللي ماتت دول من البلد من عندنا ؟ 
-انا سمعت في منهم من المنيا ؟ 
-بقولك من البلد من عندنا وشوفت ولاد الكلب عملو فيهم ايه؟ لا اعتقد ان كلانا إستطاع النوم في تلك الليله ما هي الا ساعات ليل قليله تفصلني عن فجر غد حيث سنبدأ بالتنفيذ كانت العمليه منقسمه الي جزئين الجزء الاول ضربات جويه مركزه تستهدف معسكرات تدريب ومخازن أسلحة داعش في درنة وسرت الليبيه مصاحبه بعمليه انزال بري للفرقه بدرنه وكانت الاوامر واضحه للمقاتلات الجويه بدك المعسكرات داعش ومساواتها بالارض تماماً اما فرقه التدخل السريع ستتم عمليه أنزال بري وكُلفنا بقتل وأسر كل المتواجدين والفارين من نقاط ضرب الطائرات المقاتلة .
............................................... 

القاهرة الخميس ١٨فبراير ٢٠١٥ الساعة الثانية عشر ظهراً
 ⁃ افتحي يا ساره الأخبار نشوف بيقولوا أيه؟ ⁃حاضر يا عمتي 
-المذيع : "شنت القوات الجوية المصرية عده ضربات على مواقع تنظيم داعش في ليبيا. بعد أن أصدر تنظيم داعش في ليبيا فيديو بتاريخ 15 فبراير يصور قطع رؤوس 21 من المسيحيين الأقباط المصريين. خلال ساعات، ردت القوات الجوية المصرية ضربات مركزه ضد أهداف محدد انتقاما للعمال المصريين. وأفيد أن الجولة الأولى من الضربات الجوية المصرية قتلت 64 من مقاتلي داعش، بينهم ثلاثة من القيادة، في المدن الساحلية في درنة وسرت. كما قامت القوات المصريه بعملية إنزال فجر اليوم 18 فبراير لمجموعه من قوات التدخل السريع ، في معسكر أبو كريم الوهداني جنوب درنة، حيث تمكَّنت من قتل أكثر من 100 عنصر من داعش وأسرالعشرات
لم يمضي يومان حين طرق الباب   عبد الله ممثل مَن قوات الجيش ليبلغ والده أحمد خبر استشهاده وقد حمل معه حقيبه صغير تحوي متعلقاته الشخصيه، وقف عبد الله امام أم أحمد نفس تلك الوقفه التي وقفها أحمد من قبل وقف لا يقوي علي الكلام وقف يبكي كما بكي صاحبه من قبل ! وقف امام أم ثكلى وحلم قد مات وزع عمر لم يكتب له حياه تركها وترك معها لفافه من ورق كان قد أخفاها بداخل بدلته العسكريه أخفاها حتي لا تقع بيد احد من زملائه أو قادته ترك لها ما سأل أحمد عنه يوماً ترك لها يوميات رفيق عمره وصديق كفاحه 
تمت


الإبتساماتإخفاء