أحمد الشرقاوي يكتب: الرعية.. جناة أم ضحية؟! (٢)


الرعية.. جناة أم ضحية؟! (٢)
بقلم: أحمد الشرقاوي

يقول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي: "نحن لا نريد أن ندافع عن المماليك، وقد سجلنا المساوئ التي ارتكبوها، والمضار التي جلبوها على البلاد، ولكن، مهما بلغت سيئاتهم فالقضاء عليهم بوسيلة الغدر أمر تأباه الإنسانية، ولو أن محمد علي باشا استمر في محاربتهم وجها لوجه حتى تخلص منهم في ميادين القتال، لكان ذلك خيرا له ولسمعته، ولا يسوغ فعلته أن هذه الوسيلة كانت مألوفة في ذلك العصر، وأن هذه المؤامرة هي صورة مكبرة لمذبحة أخرى دبرها الباب العالي للفتك بالمماليك سنة ١٨٠٤ بنفس الطريقة، فإن تكرار السيئات لا يبررها، فمذبحة القلعة كانت نقطة سوداء في تاريخ محمد علي.".

ما تشير إليه المصادر التاريخية أن المذبحة لم تلق تأييدا حتى من أصدقاء محمد علي المدافعين عنه وعن حكمه على الرغم من أن بعضهم كان يعدها خيرا لمصر، إلا أن عامة المصريين قابلوا هذا الحدث بارتياح شديد، فهم ظنوا أنها نهاية حقبة من الظلم والقسوة والفساد، على يد بطلهم المختار، لكن الرياح أحيانا تأتي بما لا تشتهي السفن، فمن هتفوا له بالأمس، أصبحوا اليوم يهتفون ضده، فبعد أن أباد هذا الألباني القابع بين جدران القلعة هؤلاء المماليك عن بكرة أبيهم، تفرغ لما ارتأى أنه أهم شيء لابد أن يتم إنجازه والفروغ منه، ألا وهو بناء جيش قوي ومتين، حيث رأى أن النواة الأساسية لأي دولة قوية هي وجود جيش قوي يحميها، خاصة بعد أن فقدت مصر قوتها الحربية منذ سقوطها أمام جحافل الفرس بقيادة "قمبيز" قبل ما يقرب من ستة قرون من ميلاد المسيح، وانتقال مسؤولية الدفاع عن البلاد إلى المرتزقة الأجانب، ناهيك عن أن الشراذم العسكرية "الأرناؤوط والباشبوزق" التي كانت موجودة إلى جانب محمد علي من أحط العناصر الهمجية التي لم تتعود النظام أو الطاعة، وكان كل همها السلب والنهب والسطو، فما كان من محمد علي إلا أن قرر إدخال نظام جديد للتجنيد في سرية تامة، بعيدا عن أعين الأرناؤوط والأتراك والشركس الذين يقفون له بالمرصاد ويدبرون له الدسائس والمؤامرات، فاتخذ من أسوان مركزا لتنفيذ مشروعه الكبير، وأمر ببناء الثكنات والمدارس العسكرية، ولكن هذه المرة بالاعتماد على المصريين أنفسهم، خاصة بعد الفشل الذريع جراء محاولة الاستعانة بأبناء "كردفان" و"سنار" من بلاد السودان على إثر تفشي الموت بينهم بسبب اختلاف المناخ، عندئذ اتخذ محمد علي قراره بتجنيد الفلاحين المصريين، وهذا ما أثار ثائرة هؤلاء الفلاحين، إذ انتهج محمد علي طرقا غير إنسانية في جمعهم قسرا وقهرا وتقييدهم بالحبال وسوقهم كالدواب إلى معسكرات التجنيد، يقول المؤرخ العسكري محمد فيصل عبد المنعم في كتابه "مصر تحت السلاح": "إن المتتبع للطريقة التي اتبعها محمد علي لتجنيد المصريين، يلاحظ بجلاء مدى احتقاره للمصريين الذين كان يدعوهم بالفلاحين وامتهانه لآدميتهم، رغم أن هذا الشعب بذاته هو الذي اختاره وانتخبه لحكمه، فلقد كانت الأساليب المتبعة لجمع المجندين منفردة إلى أبعد الحدود، الأمر الذي جعل المصريين يكرهون الجندية، وهو الشعب الذي طالما عرف عنه الميل إلى النظام والطاعة وحب الوطن"، تلك الطريقة البربرية في جمع الجنود جعلت الفلاحين يقابلون مشروع محمد علي بالسخط والنفور، كيف لا والموكلون بجمع الجنود لم يفرقوا بين شيخ أو طفل أو ذي عاهة أو مريض، فما كان منهم إلا أن ثاروا -كعادتهم- ضد محمد علي ونظامه الجديد وما رأوا منه من ظلم وقسوة وطغيان، ولكن، يبدو أن المصريين قد انكسرت شوكتهم هذه المرة، بعد أن خرج إليهم محمد علي بالمدافع الميدانية ليقمع ثورتهم تلك، وبالفعل، استطاع محمد علي إخماد نيران هذا السخط والتذمر، وكأن شيئا لم يكن، بل لقد استطاع أيضا أن يحبب إليهم الخدمة العسكرية مستغلا رجال الدين، الذين ما لبثوا أن استغلوا طيبة هؤلاء البسطاء، وغرسوا فيهم الاعتقاد بأن الانصياع لنظام التجنيد الجديد هو إرضاء لله! لا شك أن العسكرية شرف، فليس هناك أغلى من الوطن للذود عنه، ولكن، ما كان ينبغي للأمور أن تكون بهذا العسف.

انتهى عصر محمد علي، وولى زمانه، وتعاقبت العصور والأزمان، ومنذ ذلك الحين والتاريخ يعيد نفسه حتى هذه اللحظة، ولكن، إن كنا نبرر لمحمد علي بأنه أنشأ دولة حديثة وقوية، متقدمة في كافة المجالات، فما هو عزاؤنا الآن إزاء كل هذا التردي؟ هل مازلنا في انتظار المُخَلِّص؟ لابد أن ندرك أن المُخَلِّص ليس الحلم، بل إن العدالة هي الحلم، والعدالة لا يمثلها شخص أو فرد بعينه، وإنما تتمثل في دولة المؤسسات، حيث الجميع يعرف دوره جيدا بما له وما عليه، وحيث تتكامل كل تلك الأدوار لتصب في مصلحة الوطن والمواطن في آن، فإن كنا ننشد التغيير، يتوجب علينا التخلص من أسطورة المُخَلِّص، وإلا فسنصبح نحن الجناة والضحية.


الإبتساماتإخفاء