حاتم سعيد - إلينا




إلينا ...( قصة قصيرة )
بقلم: حاتم سعيد


إلينا … تلك الفتاة الجميلة بملامحها الطفولية التي تجعلك تشعر بأنها قادمة من عوالم الأساطير القديمة , شعرها الأسود الكثيف كــ ليل متشبث بالحياه رافضاً لنهار أن يأتي , فهي منذ نعومة أظافرها تعيش بهذه القرية الفقيرة الصغيرة التي لا يهتم بشئونها أحد لا حاكم البلاد ولا الحكومات المتعاقبة , دوماً ما تشعر إلينا ومعها أغلب سكان هذه القرية بأنهم كم مهمل أو منسي علي هذا الكوكب العملاق المليء بالشرور والمصالح الشخصية .
إكتسبت إلينا أغلب صفاتها وعاداتها من معاشرتها لتلك الغابة والأشجار الكثيفة والنهر الراقد بخلف هذه الغابة … فهي هادئة كالنخيل ولا تهتز إلا حينما ينهرها صاحب العمل عندما تود أن تسرق لحظة سعادة في أوقات العمل !! , يوبخها كهياج الرياح عندما يعصف بأشجار تلك الغابة , حياتها متمثلة في العمل طوال النهار وفي الليل تعود إلي غرفتها الشبيهة بالأكواخ …
غرفة من الخشب علي شكل مربع يميناً قطعة حجر كبير علي شكل مستطيل شبيه بالسرير تنام عليه إلينا بجسمها الصغير , بعض الأطباق والأكواب أغلبها مكسور بجانب الغرفة الأيسر – مطبخها الصغير , وكرسي ومنضده بمنتصف الغرفة يعلوها بالسقف مصدر الإضاءة الوحيد للغرفة لمبة معتمه بضوء أصفر باهت .
حين يأتي الشتاء بهذه الغرفة تصاب إلينا بحالة من الموت المؤقت , فصوت الرياح القوية مع الأشجار تكاد قوة العاصفة أن تقتلع الغابة من جذورها وماهي إلا دقائق حتي ينقطع التيار عن مصدر الضوء الوحيد وتتساقط حبات المطر من ثقوب في سقف الغرفة , أكدت إلينا مراراً بأنها ستقوم بإصلاحه ودهان الغرفة بالكامل مع موسم الحصاد القادم ومكافأتها المجزية ولكن موسم الحصاد كل عام لا يأتي وهي مازالت متعلقة بالأمل ….
بداية تلك الليلة مع إنتهاء عملها كانت السماء تنبيء بشيء مخيف لها فكانت السماء ملبدة بالغيوم وصوت الرعد مدوي كقنابل الحرب وإعلان تدمير دولة بأكملها , إرتعدت قليلاً وهي تلملم أغراضها مستعدة للرحيل بعد إنتهاء العمل , مع سيرها بالطريق إلي منزلها بدأت تتساقط حبات المطر قليلة كإنذار عما ستراه إلينا بهذه الليلة فقررت عدم النوم والإلتصاق بخشب الغرفة جالسة علي سريرها منتظرة إنتهاء موجة السقيع , المطر بدأ في الإزدياد شيئاً فشيئاً تلك النقاط القوية لا يمنعها شيء من عبور سقف الغرفة إلي منضدة إلينا .
الطبيعة غاضبة صوت الرعد مدوي والبرق يضيء غرفتها ويختفي , بدأت الكلاب بالغابة في النباح بسبب البرد وربما الخوف من ليلة قد لا تنتهي … أقرب بيت يبتعد عنها حوالي إثنين كيلومترات يسكن به ذلك الرجل المخيف دوماً فهو يمثل لإلينا الرعب الحقيقي أو الشر الذي تراه علي المجرمون بالصحف !! بالطبع هي لن تطلب نجدته بمثل هذا الطقس وكيف لها الخروج من الغرفة من الأساس فهي الأن تحاول أن تلملم جسدها تحت لحاف مهترئ طلباً لبعض الدفء , دقات قلبها متصاعدة تنظر للأرض , الرياح تقوي فتفتح النافذة ليقع الكوب المليء ببعض اللبن من علي المنضدة فتنظر له بصمت , يأتيها صوت قريب من أذنيها .
– إلينا … لما هذا الخوف الشديد ؟ فلترقصين معي .
تنظر حولها لم تجد أي مصدر للصوت , تنكمش أكثر بداخل نفسها … تستبدل الأشياء بأذنيها فتسمع صوت الرياح وهي تعبث بالأشجار وكأنهما سيمفونية ألات وترية , صوت الرعد هو إيقاع الموسيقي … معزوفة كاملة ينقصها وصول نجمة إحتفال الطبيعه , ما تسمعه هو مقدمة لها للظهور … الأن
تقوم إلينا لمنتصف الغرفة , قدمها تتعثر بكوب اللبن المكسور فتجرح قدميها وهي لا تهتم ببعض قطرات الدم الساقطة من جرحها وتبدأ بالرقص , تشكل موجه بجسمها , رقصة الحياه شعرها يطير تزداد قوة لحن الطبيعه … البرق يضيء كإضاءة خافته علي مسرح روماني وهي مازالت ترقص والمطر يتساقط بقوة , اللوح الخشبي بسقف الغرفة ينهار جزء منه فتنزل المياه بغزاره يزيد من المشهد تفاعل تشعر بأن حيوانات الغابة والأشجار يتابعونها فتستمر بالرقص أكثر … فأكثر .
فاليوم لا مكان للخوف بقلب إلينا … فقط تملك قلبها رقصة الحياه .


الإبتساماتإخفاء