أميرة حسنى - عادة العاشرة



عادة العاشرة


بقلم: أميرة حسني


العاشرة مساء، أحب الأوقات إلى قلبى تماما كمثل ذكرى يوم الخميس، الطفولة وفترة الدراسة، لا واجبات، لا قيود، فقط أحب مكان لقلبي بيت جدتي، وحلوى خالاتي، ونصائح جدي، ومشاكسات مع أبناء خالي وخالتي وأشقاء أمي، وبعض من فكاهات الجيران ذوي الشرفات القريبة، أفلام، شرائط، الفيديو، محاولة مصارعة أبناء خالتي الأكبر سنا، والهروب من دعابات خالي الأقوى مني جسديا، يوم حافل بحكايات الأسبوع ومشاغبات الأبناء ومشاغل الأباء، ومبارزات حميمة بين أمي وأخواتها على أحدث وصفات الطعام والسر العسكري الذي لم يتوصلوا إليه حتى الآن، وهو سر لذة مذاق طعام جدتي، وأتساءل لماذا لا تزعجني الضوضاء ولا مشاكسات أبناء خالي ولا تضايقني إطلاقا مطاردات لعبة "الاستغماية" التي تنتهي دوما بحادث بسيط غير موجع يثير ضحكات أمي ساخرة "تستاهل"، هذا السر الجميل الذي يديم علينا البهجة طوال الأسبوع الدراسي يجعلني أنتظره بشوق للأسبوع المقبل.

ثم ماذا؟
 ثم لم تعد تجمعاتنا تكثر، مشاكل الحياة ألهتنا وألهت كل أسرة في أطفالها ومشاكل مراهقيها وجامعات لا تقبل إلا دراجات محددة لا تنقص مقدار ربع درجة...، فتختار خريطة حياتي والتي ضللت بها سواء السبيل وضل ومن بعدي كل من سار عكس هذه الخريطة، لم تكن لدي القدرة الكافية لعصيان والدتي، ولم أملك الدلال مثل إخوتي البنات وتأثيرهن على أبي، وامتثلت لهذه الجامعة، لم تكن طموحي، ولم تكن خطتي، ولم يكن التصميم على رغبتي أمرا صعبا، ولكن ربما لسبب ما لم أفعل، وإن كنت لا أذكر فصلا من أي كتاب استذكرته ولا أي سنة دراسية سابقة، المهم هو الحصول على الشهادة، وإجاد وظيفة تكفل راتبا محترما، هل تحب العمل؟ هل يناسب قدراتك؟ هل يرضي طموحك؟ هل هذا هو الطريق الصحيح لخطى مستقبلك؟ لا يهم، المهم أن تسير طبقا لتعاريج الخريطة، فعلا تعاريج، فبعد أن اختار لي أبي مجال عمل عن طريق المعارف والأصدقاء، فلا أمل في البحث عن وظيفة، ولا أمل في العمل بشهادتي، إما أن أتسلم الوظيفة التي قدمها والدي، أو أبحث كسائر أصدقائي الذين يجوبون شركات العاصمة والمحافظات المجاورة وما يلقون من تعنت في الشروط وطلب الخبرة، كيف لشاب يبلغ من العمر 23 عاما أن يكون ذا خبرة!! وإذا كان يحمل خبرة فعلا فليس من الطبيعى أن يكون مضطراً للبحث المستميت على هذه الوظائف الصغيرة؟؟؟
 ولم أرفض أختيار والدى فهو الأنسب أو وافقت فعلاً لأنه هو المتاح لا متاح لى خيار أخر وان حاولت الاختيار فسيضيع سنوات من عمرى والنتيجة صفر لا أعمل ما أحب ولكن أحصل على راتب وبدون الراتب فلن أستطيع إكمال نصف دنيى ؟؟!
 نعم فأنا أسير وفق الخطة فنصف الدين أيضا فى الخريطة وخريطة يجب أن ينفذها كل شاب وكل فتاة بغض النظر عن مناسبتها لنا أولا 
 .واليوم أحببت زميلة فى العمل واصطدمت بمشاكل الزواج التقليدية المرسومة أيضا فى الخريطة حتى الحب والزواج فطرة الله فى الأرض جعلوا لها خريطة واحدة للجميع خلقنا الله مختلفون فى كل شيء وخريطة واحدة للجميع .. وطبيعى جدا ان يفشل المشروع فهذه الفتاة ايضا تحمل خريطة من مواصفات الشاب المستعد للزواج لم أحقق حتى نصف ما فيها وأنا شاب فى بداية حياتى وفشل المشروع وعجز الحب أن يصمد أمام جبال ومنخفضات هذه الخريطة ولم أستطيع التغير وكيف أتغير وان أمضى فى طريق به ألاف المجبرين على هذه الخريطة ونصائح كبار الأقارب وصغار الأصدقاء "يا سيدى أحمد ربنا أنك لقيت شغل" غيرك على القهوة 1) وما العيب فى عمل القهوة ربما يكون مسلى ربما يكون فيه متعة التعامل مع الأخرين وتبادل الفكاهات مع الزبائن والحل ..
 هل أسافر وأتغرب مزيد من السنوات واعود كل اجازة اختر العروس من عدة خرايط أيضا ووقتها سينظرون أيضا الى اننى صاحب مصباح علاء الدين أتيت فقط لأحقق كل الطلبات المادية التى تؤمن مستقبل ابنتهم اما عنى وعن أفكارى وعن اتفاق ميولنا لا يهم أبدا .. فكل النساء سواء وكل الزواج مشاكل هكذا تقول الخريطة .. وتقول الخريطة ان افضل اختيار هو اختيار الاهل فبالطبع هم أكثر دراسة منى لهذه الخريطة ويطبقها الجميع من عشرات السنين و نصائح الأهل تزوج بنت خالتك فهم أقاربنا وظروفهم مشابهة ولن يرحمونا بالمطالبات والمغالاة . ولكنها شبيهة لأختى ولماذا لا أجرب أن التقى بحب أخر ربما تنجح المحاولة .. يا بنى العمر بيجري ما تضيعش وقتك وكعادة النصائح " أهى ست زى أى ست وخلاص تجبلك عيل ولا إتنين هو أنت هتعمل أكثر من اللى قبلك عملوة وجوازة والسلام" وتم الزواج بشكل عقلانى ولا أعرف إن كنت أحبها أولا أحبها هل أرغب فى الأنجاب أولا صدمت من اجابتى وشكتنى لأمى وخالتى إننى أرفض الإنجاب حاليا؟؟ هل ليس من حقى أيضا أختار متى أنجب أطفالى ؟؟ اليس لى الحق فى إختيار أول شىء أشعر أنه بيدة؟ ولماذا هل تطلب الإنجاب سريعا هل تحبنى أم هى أيضا مسيرة فى نفس الخريطة ؟ هى أيضا مجبرة على المضى فى التعاريج الخاطئة والتى أعرجت بالفعل حياتنا لا نشعر بالسعادة وانجبت الأطفال ووجدتى أضعتهم فى نفس الخريطة وإلا كانت مشاكل وصراع مع والدتهم .. لا مذاق للقمة الطعام لا شى يفرح لا تضحكنى أى فكاههة ... زوجتى طيبة ومحترمة ولكنى لم أختارها .. هل هذا سبب يستهان به ؟؟ هل الانسان بطبعه برفض المفروض ... ترى هل هى سعيدة معى ... أشعر بغربتها عنى وغربتى عنها لأننا لم يكن ارتباطنا اختيارا بل كان فقط هو المتاح واما ان تختار المتاح او تظل هائما سنوات وسنوات وتحقق ما تريد بعد أن تكون فقدت أغلى ما تملك وهو الشباب ... السنا احرار ؟؟؟ لماذا لم أكن حرفى اختيار شهادتى أو عملى أو زوجتى ولم أكن مغصوبا لدرجة القهر ولكن هذا هو المتاح الموجود فقط المتاح للجميع سواء يناسبهم أم لا سواء يحبوه ام لا الأن عرفت لماذا أنا لا أتواجد فى منزلى بشكل مستمر وأتودد لبيت جدتى اللتى لم تعد موجودة – لماذا فقط ؟؟؟ وقت هو وقت العاشرة ؟؟؟
فهو وقت أطمئن على مذاكرة ابنائي والجميع قد تناول العشاء والحمدلله ..
 نام الجميع طبقا لميعاد الخريطة وأنا أجلس بمفردى أشاهد التلفاز أقرا جريدة أفعل فقط ما أريده وما أحبه لا أفعل شىء / أدخن سيجارة بعيد عن الأولاد وأمهم اشرب الشاى فى هدوء 
 أذهب للمقهى مع بعض أصدقائى الإختيار الوحيد الذى استطعت الصمود أمامه ويشكو كل منا للاخر التعاريج هذه الخريطة الصماء والتى أصمت اذاننا عن كل محاولات التغيير .. وأعمتنا عن الاستمتاع بالحياة اللتى وهبنا الله لها وأعجزتنا أن نشكر الله على نعمه التى لم نستطع استغلالها بسبب هذه الخريطة 
 وتنتهى الساعة سريعا ... ساعة تقريبا فى اليوم هى أعمل كل ما أحبه .. ساعة فقط فى عمرى هتنسينى ضغوط عمر كامل أجبرتى تعاريج خريطته على تجاهل كل ما أحب أن أفعل الا فقط فى عادة العاشرة.


الإبتساماتإخفاء