أشرف شعبان - المصيدة



المصيدة

بقلم: أشرف شعبان

المصيدة مقلوبة وبابها شبه مغلق، الثمرة المسمومة معلقة كجيفة عفنة تثير رؤيتها الغثيان . الكمائن الصمغية جفت حتى بدت فوق الورق المقوى كنقوش مبتذلة , الشبكة الصغيرة التى علقها فى طرف شباك المطبخ فى مواجهة الفتحة بين الشباك وجدار المطبخ كانت معضوضة وممزقة . فك الشبكة من مربطها , ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة , غادر المطبخ إلى الصالة وهو يتمتم " افلت الفأر الشقى".

كانت المصيدة هى أول مشترياته من المعاش الأول . أقلق الفأر منامه لعدة أسابيع , كانت آثاره فى كل مكان فى الشقة , فى الصالة ترك الفأر بقايا طعامه فوق الكرسى الهزاز , فى الشرفة وجد بقايا طعام الفأر فوق المنضدة , فى الحمام كانت بقع سوداء صغيرة تتوسط "البانيو" خمن أنها أقدام الفأر , فى غرفة النوم كان الفأر مستقرا تحت الوسادة حتى فتح باب الغرفة ففر هاربا لم ير من ملامحه سوى كتلة صغيرة داكنة لها ذيل رفيع تفر من أمامه فى خفة ومرونة , وفى المطبخ كان الفأر يقيم حفله الصاخب كل ليلة . قرر التخلص منه بأية وسيلة , اشترى المصيدة والصمغ والخيط السميك للشبكة و السم المصرى الأصلى حينما أخبره البائع أن السم المصرى أفضل من المستورد وأسرع فى القتل. استمر عدة ساعات يجهز المصيدة والكمائن والشبكة , أعاد وضع المصيدة عدة مرات فى أماكن مختلفة وكذلك الكمائن الصمغية , أحكم ربط الشبكة فى فتحة الشباك ثم جلس فى الصالة يترقب سقوط الفأر . حينما سمع صوت ارتطام الأطباق والأوانى وسمع صوت صراخ , تهلل وجهه وقام إلى المطبخ ليشهد سقوط غريمه الذى سرق من عينيه النوم , فى المطبخ لم يجد سوى نتف من فرو الفأر ملتصقة بالصمغ وقطعة صغيرة من ذيله على باب المصيدة المقلوبة والشبكة المعضوضة التى عاد بها إلى الصالة.
اصابته الهزيمة بمرارة لكنه قرر نسيان أمر الفأر قليلا والبدء فى تدوين ذكرياته كنوع من السلوى كما نصحه أحد أصدقاء المعاش الجالسون فى ركن العجائز فى المقهى منذ سنوات . مرت به ذكريات كثيرة , الطفولة والصبا , الشباب والنضج , الكهولة والشيخوخة , الأحلام والوقائع . كانت عشرات الأطياف تطوف من حوله كأنها أمواج تغمره فيسبح فوقها ليواجه المزيد من الموجات . لم يعرف من أين يبدأ , لم يكن الترتيب الزمنى مهما , قال له صديقه فى المقهى "أكتب ماتريد أن تقوله أو ما لا تريد أن تقوله , ستجد الأمر مسليا " , فى النهاية أمسك القلم وبدأ يكتب. 
قامت احتجاجات كبيرة فى الجامعة . بدأت القصة حينما وقفت طالبة فى وجه شرطى كان يضايق بعض الطالبات بدعوى حوزتهن لمنشورات تخريبية , لم تكن الطالبة ضمن الطالبات اللائى تعرضن للمضايقة لكنها احتجت على ما وقع لزميلاتها . لطمها الشرطى وحاول تفتيشها بالقوة وتمزيق قميصها , قامت مظاهرة كبيرة فى الكلية شارك فيها معظم الطلبة وكنت من المشاركين , خرجت المظاهرة إلى الساحة الكبيرة فى الجامعة المواجهة للسور , انضم الطلبة من باقى الكليات للمظاهرة , كان الحشد هائلا خلف الباب العملاق للجامعة . فى الناحية الأخرى كانت حشود الحراس قد طوقت الجامعة , عشرات الجنود المتشابكين والمدججين بالسلاح ومن خلفهم وقفت المدرعات والعربات المصفحة يقف أمامها الظباط ليوجهوا الجنود ويعيدوا تنظميهم كلما انضم إليهم مدد جديد من العساكر والمدرعات . كان الصدام وشيكا , الهتافات تتعالى بين المتظاهرين , والصيحات تتعالى بين الجنود , لم يعد يفصل بين الطرفين سوى السور والبوابة العملاقة , حاول مجموعة من الطلبة تحطيم بعض الأسياخ الحديدية للسور لكنهم فشلوا . فى ذلك الحين وقع بصرى على المشهد فى الخارج , شبكة الجنود المحيطة بالجامعة وفى أياديها الأسلحة وفى عيونها الشرر والتحفز للفتك بنا , المدرعات ومن فوقها المدافع , افزعنى ما رأيت , توقفت عن الهتاف , انسحبت فى هدوء من بين المتظاهرين , اعطيت ظهرى للجميع وعدت إلى مبنى الكلية احتمى به.

طرق الباب فقام ليفتح , منال الممرضة , جاءت لتحقنه بالحقنة الإسبوعية , كان قد نسى الميعاد بسبب الفأر والذكريات . رحب بها وعرض عليها كوبا من الشاى , شكرته بأدب وشرعت فى تجهيز الحقنة . اخبرها بقصته مع الفأر فأبدت دهشتها من نجاة الفأر ونصحته باحضار خادمة تنظف الشقة جيدا وتتولى تخليصه من الفأر وغيره من الكائنات المزعجة . قال إنها فكرة جيدة ثم ازاح سرواله وكشف عن الجسد الذى لم تعرفه يد الطب إلا فى السنة الأخيرة قبل التقاعد , حقنته الممرضة بمهارة وخفة و همت بالإنصراف , شكرها ثم أشار إلى الشبكة المعضوضة وسألها مبتسما أين ذهب الفأر؟ هزت كتفيها فى بلاهة ثم إنصرفت وهو تتكتم إبتسامة خجلى كادت تنفجر إلى قهقهة كبيرة.
عاد إلى المطبخ يستطلع أمر الفأر , بحث فى الأرفف وأسفل الحوض و بين الموقد والثلاجة وخلفهما لكن لم يجد له أى أثر . أعد فنجانا من القهوة وعاد إلى الصالة يستدعى الذكريات فتأتيه بلا ترتيب أو اتصال بما سبق أن دونه , أمسك القلم وبدأ يكتب من جديد. 
 قلت لها أحبك , بعد سنوات ثلاث من الحب تناقلت فيها العيون ما شاءت ان تتناقل من الرسائل والقصائد والألحان , ولفح الوجدان ما لفحه من نيران الأشواق والوجد . ذهبت إلى مكتبها , تأملت للحظات ذلك الكائن الساحر الذى دخل إلى عالمي حتى صار هو عالمي , تطلعت فى عينيها وقلت لها أحبك ثم استرسلت فى الكلام وقلت كل ما اختزنته طوال الأيام والسنوات السابقة. أمضينا بضعة أيام نسكن الأرض بأجسادنا فقط أما الأرواح ففارقت الأرض إلى كون من الجنان المدهشة تلك التى لا يدركها سوى العشاق. سرنا فى دائرة الحب كطفلين تملؤهما الدهشة ويجذبهما الشغف لأنوار باهرة أحاطت بهما فى الأحلام وفى اليقظة, فى وعيهما الظاهر وفى باطنهما الخفى.أيام قلائل من التحليق فى سماء الحب ثم كان الوقوع فى مصائد الرهبة , كبلتنى المخاوف منها أو عليها أو ربما مخاوف من الحب ذاته أو عليه . صرت أسيرا للمخاوف ,أشباح تتخطفنى من كون الحب وتهوى بى إلى هوة مظلمة ليس لها قرار ,أسير لا يقدر على الفكاك من أسره أو ربما لايسعى إلى ذلك الفكاك أو حتى يفكر فيه . أخبرتها عبر خطاب وليس عبر التطلع فى عينيها أن نوعا نادرا من الرُهاب قد تجدد لدي , وفى الصباح التالى لم أذهب للعمل.

طرق جديد على الباب , البواب هذه المرة , يجمع أموالا من السكان من أجل الإصلاحات العامة فى العمارة التى اتفقوا على القيام بها . أخبره بمعاناته مع الفأر وبنصيحة الممرضة بإحضار خادمة للتنظيف . استحسن البواب الفكرة ووعده بالبحث عن خادمة مؤتمنة ونشيطة , أضاف البواب أن عليه إعادة تجهيز الشقة وخاصة المطبخ والحمام حتى يتخلص نهائيا من الفأر وأمثاله . راقت له الفكرة الجديدة لكنه تذكر التكلفة فأخبر البواب أنه ربما ينفذ الفكرة حينما يتوفر لديه المال اللازم . أعطاه نقود إصلاحات العمارة ,أشار إلى المطبخ وسأله هل سمعت عن فأر يقلب مصيدته ويغلق بابها ؟ ضحك البواب عاليا ثم قال وهو ينصرف الفئران أولاد أبالسة ملاعين.
قام بجولة جديدة من البحث عن الفأر لم تسفر عن جديد , رجع إلى كتابته وهو يجفف عرقه و يتمتم ملاعين أولاد أبالسة. 
مناصب الإدارة قد تأتى صدفة , كنت الرجل الثالث فى الهيئة الصغيرة , أطاحت الخلافات مع الكبار بالأول , والحادث الأليم انهى حياة الثانى , وكنت الثالث البعيد تماماعن مجرد الترشيح لتولى الأمر فصعدتنى الصدفة إلى الأول حيث كرسى الإدارة . كنت على دراية كاملة بأحوال الموظفين فى الهيئة حينما كانوا صامتين وحينما قرروا الإعتراض على الإدارة وهددوا بالإضراب. فى سنوات الصمت كنت بينهم , وفى أيام الإعتراض كنت فوق كرسى الإدارة . بسطت السكرتيرة أمامى ورقتين , الأولى هى مطالب الموظفين والثانية هى قرارات الجزاءت والفصل للمشاغبين معطلى سير العمل . تفكرت فى الأمر , قلت لنفسى ماذا لو أجبت مطالب العاملين ؟ هى حقوقهم المشروعة التى طالما تمنيت تحقيقها وأنا بينهم فلماذا لا أحققها الآن وأنا فوقهم؟!
أمسكت بالقلم , هممت بالتوقيع على الورقة الأولى , دهمنى شعور قابض منعنى من التوقيع ,احسست بالإختناق وبالدماء تتيبس فى عروقى , اجتاح جهازي العصبى تشنج مفاجىء وتوقفت أطرافى عن الحركة . تراءت أمامى فوق الجدران صورة الوكيل العام يعقد حاجبيه ويشير بإبهامه إلى ورقة العقوبات , يفتح فمه عن آخره فيخرج منه لسانه فى هيئة عصا غليظة يطرق بها فوق المكتب , ويطلق منها كلمات الوعيد والتهديد. حاولت الفرار من فوق الكرسى ففشلت كأننى صرت ملتصقا به , حركت يدي بصعوبة , أمسكت القلم ووقعت على الورقة الثانية.

قرر التوقف عن الكتابة قليلا , لم يجد الأمر مسليا بدرجة كبيرة كما صور له صديق المقهى الخبير. عاد إلى التفكير فى الفأر , أدهشه كيف نجا الملعون من المصيدة والسم واللاصق والشبكة , ازداد حنقه عليه ,قرر العثور عليه الليلة . تحرر من الكثير من ملابسه لتسهيل الحركة , أمسك المقشة الطويلة وبدأ يمررها تحت الأثاث وفوقه , مر بغرفة النوم وبالشرفة , عاد إلى الصالة , ذهب إلى المطبخ والحمام وعاد منهما عدة مرات , تزايدت خيوط العرق بغزاره فى رأسه و فوق ظهره وساقيه حتى تبلل سرواله الداخلى بالكامل , صرخ بغضب يا شقى ياملعون . اجهده البحث فقرر الراحة قليلا , دخل إلى الحمام يغسل جسده المنهك , من فتحة صغيرة فى شباك الحمام رأى الكتلة الداكنة تتسلق ماسورة الصرف بصعوبة , فتح الشباك عن آخره , قفز إلى المنور عاريا ليراه عن قرب . كان الكائن الصغير ينتفض مقطوع الذيل , يسيل من مؤخرة جسده سائل لزج وقد تحطمت بعض أسنانه , قدماه الأماميتان مكسورتان وفراءه متهتك . اقترب منه حتى صار فى متناول يديه , تطلع إلى وجهه , أذهلته إبتسامة صغيرة تقاوم موتا وشيكا.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء