دعاء عبدالمنعم - فى الأرض خليفة



فى الأرض خليفة


بقلم: دعاء عبدالمنعم 






بدأنا بارتشاف قهوتنا الصباحية.. سألتها : " أخبريني، هل ترين وجهًا للشبه بين الإله، الكاتب والطباخ؟" 
نظرت إلي شذرًا، وأشاحت بوجهها عني. 
تحولت إليها ثانية وكررت السؤال..


انفجَرَت في وجهي وقالت صارخةً يتناثر لُعابها في وجهي : " ألن تكفي عن جنانك هذا؟ 
أتشبهين الله بمخلوقات؟ ألم يمر بسمعك ولو على سبيل الصدفة أنه يقول عن نفسه : "ليس كمثلِهِ شيء"؟..اسمعي، ليس لدي وقت لهرطقاتك.. دعيني أُكمِل هذه القهوة فلقد تأخرت على عملي.

ضحكت رغمًا عني ، فساعدت ضحكتي على استفزازها وقلت لها، بلى سمعت.. ولكن في المقابل ألم تسمعي أنت أيتها المؤمنة أنه يقول : "إني جاعل في الأرض خليفة"؟ 
قالت وهي ترفع إحدى حاجبيها، وتعقد يديها حول صدرها : بلى. 
- ومن هو الخليفة برأيك؟ 
- إن سألت ذلك الحمار الذي يقبع أمامك سيجيبك بأنه الإنسان.. ونظرت إلي بما يعني : "ألن تكفي عن بلاهتك"؟ 
حاولت منع ضحكتي حتى لا تزيد ثورتها، فلم يكُن ثمة حمارٍ أمامنا.. لكنها أبت إلا الخروج . 
وكما توقعت فقد أثارتها الضحكة أكثر وهمت بالقيام.. منعتها وقلت بلهجة معتذرة : حسنا حسنا اجلسي، وأعدك أن أحاول ألا أضحك ثانية. 
ولكي لا أغضبك أكثر لن أطرح عليك المزيد من الأسئلة، فقط سأكتفي بطرح ما يراودني.. وأرجو منك فقط ألا تثقبيني بنظرات السأم -كعادتك- فهي ترهبني. 
قالت بلهجة ساخرة : "استمري يا فيلسوفة الغبرة" 
منعت الضحكة هذه المرة وقلت : حسنا حسنا.. يخبرنا الله أنه جعل الإنسان خليفة. 
يخلف الله في أرضه..ولكن من هو الخليفة؟  
الخليفة اسم مشتق من فعل الاستخلاف وهو أن يجعل الرجل مكانه ، ليُتِّم عمله. 
أي أن الله أوجد الإنسان في الأرض كي يتم ما بدأه.. 
نظرت إليها مستطلعة فوجدتها تنظر باهتمام - وذاك ما لم أعتده، وشجعني في الوقت ذاته على المضي قدما في الشرح- . 
قلت : والذي بدأه الله هو "الخلق" .. إذا فمن مهام ووظائف هذا الخليفة هو الخلق..  
لذلك أعطاه الله القدرة على الخلق.. 
من الطين ، ذاك الشيء الحقير، خلق الله إنسانا حسن المظهر بهي الطلعة.. 
الأمر ذاته يفعله كلا من الطباخ والكاتب. فمن اللاشيء يخلقان ما يجعلنا نقف أمامه مبهوري الأنفاس

الأول يستخدم كلاما مبهما ، يجعل منه آية فنية، يخلق بين طيات صفحاته عوالما كاملة.. يتحكم بمجريات أحداثها، يعلم ماضيها ويتنبأ بمستقبلها ، بل ويتحكم في مصائرها أيضا. 
والثاني يستخدم موادا أولية تكاد تتطابق ليخلق منها الأشياء المختلفة في المذاق، واللون والرائحة.. فقط بإضافة بعض من سحره الإلهي.. تذكرني تلك الحالة بما يقوله الله عن قدرته في الخلق : "يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل" 
فكما يخرج لنا الله من نفس الأرض ونفس الماء ألوانا وأشكالا من الفواكه والخضروات.. 
كذا يفعل الطباخ يخلق لنا من مواد متشابهة أكلات يسيل لها اللعاب.

"وهكذا ترين يا عزيزتي أن هناك وجهًا للشبه بين الله والطباخ والكاتب" قلت جملتي هذه وأشرت إليها بحركة مسرحية أنني أنهيت العرض، ويبدو أنني انهكت في شرح فكرتي. 
فما إن انتهيت من كلامي ونظرت لها أستطلع ردة فعلها ، حتى وجدتها تغط في نوم عميق.. لا أعلم متى غرقت فيه لهذا الحد!



الإبتساماتإخفاء