د. محمد غاني - أوجه الديني في شخصية الانسان



 أوجه الديني في شخصية الانسان

د. محمد غاني
 باحث في الأكسيولوجيا و الديونطولوجيا

إذا طلب من أحدنا أن يحدد أي نوع من المتدينين هو فإن الإجابات تكون في الغالب سطحية للغاية، كأن يجيب أحدنا أنني مسلم معتدل، أو مسلم متسامح، أو مسيحي غير مطبق non-pratiquant، أو يسقط أحدنا على الآخر أنه وهابي، أو صوفي أو متشدد الى غير ذلك من الكلمات الفضفاضة العامة التي لا يمكن البتة أن يلصقها باحث مدقق على شخص منتم للدين الإسلامي أو لغيره من الديانات من أجل تمييز شخصيته عن الآخرين، إذ التساؤل الذي يطرح نفسه بشدة لدى كل مهتم هو كالتالي هل شخصية الانسان الدينية لها سمة واحدة هي وحدها الغالبة ؟ أم أن الأمر يتجاوز هاته السطحية في التفكير  بكثير؟

يحكم الطبيب النفسي على شخصية من الشخصيات عند إرادة تقييمها بصفات معينة، لكن ليس قبل أن يخضع المريض لمجموعة من الجلسات العلاجية التي تخوض في الدقيق من التفاصيل الحياتية لهذا النزيل سواء في فتراته السابقة أم اللاحقة، كما ليس قبل اخضاعه لمجموعة من الاختبارات النفسية و مراقبة استجابات المريض في مختلف المواقف.

عندما يتعلق الأمر بالحقل الديني و تحديد شخصيات المؤمنين من أجل معرفة المخاطب و إنزاله منزلته خلال الندوات الفكرية و الجلسات الحوارية من أجل أن يكون النقاش مثمرا و منتجا لخلاصات و استنتاجات دقيقة و مفيدة لحياتنا اليومية، فإن الأمر يختلف جذريا حيث تجد في الغالب أن الكل يتحدث بصيغة العارف و العالم بحكم الغيرة على الدين، و الكل يدافع و ينافح حتى و إن بإدلة نقلية أو غير نقلية هو غير متأكد أصلا من مصادرها و مدى مصداقيتها، المهم في نظره أن تزكي طرحه، و كأن الهدف من النقاش و الحوار ليس الوصول الى الحصيف من الأفكار و الحكيم من المواقف، بل يكون الغرض آنذاك فقط هو إظهار الانتصار الآني في الجدال.

إن شخصية الانسان حسب علماء النفس تتعدد وجوهها تعددا كبيرا لا يخطر على بال حيث شبهه العلماء بأن ذلك التعدد اذا أريدت شخصنته فإنه يمكن تشبيهه بتعدد الحضور في مباراة كرة القدم بجمهور غفير..1

كمثال على ذلك التعدد يمكن أن نورد أيضا اعتماد العلماء في تحديد شخصية الانسان على اختبار مينسوتا المتعدد الأوجه للشخصية، و يشمل هذا الاختبار 550 عبارة تغطى مدى واسعا من الموضوعات تتناول الجوانب المختلفة فى الشخصية، مثل الصحة العامة والنواحي الصحية الخاصة بما فيها أجهزة الجسم المختلفة، والعادات،والعائلة والزواج،والمهنة،والتعليم،والاتجاهات الجنسية،والاجتماعية،والدينية، والسياسية،والنزعات السادية والماسوكية، والهواجس، والهلاوس، والمخاوف المرضية. 
وكذلك الحالات الانفعالية المختلفة بما فيها حالات الانقباض والحالات الوسواسية والقهرية، وكذلك الروح المعنوية، وما يتصل بالذكورة والأنوثة، واتجاه المفحوص نحو الاختبار، وقد صنفت هذه العبارات فى أربعة مقاييس صدق يرمز لها بالرموز: ؟، ل، ف، ك، وعشر مقاييس إكلينيكية هي مع رموزها.2.

إن فهم شخصية الانسان الدينية لا يمكن أن يكون بالشكل المطلوب الا بتطوير مثل هاته الاختبارات لفهم تكوين بصمات هذا البعد في الانسان منذ الطفولة و تتبع امتداداته خلال تطور نمو الانسان الفكري و البدني و الروحي.

كم هي الأمة محتاجة اليوم الى تشخيص الأمراض التي تنخرها في صمت سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو النفسي و الروحي حتى أن هناك من تنبأ بانقراض الحضارات الشرقية كأرنولد تونبي ،3، و هو على حق لظهور كل الأعراض التي تنبأ بذلك، لكن الأمل يبقى دوما حاضرا بحفظ الله لجوهر شخصية الأمة و متحف جواهره الروحية و هو الكتاب المنزل الذي ضمن الحق بقاءه، تبقى فقط ضرورة تجديد الفهم من أجل الشرب من معينه بكأس عصرية تتناسب و مقتضيات الزمن الذي نحياه و السياق الذي نعيشه، ليظهر المسلمون في صورة حضارية تجلب الآخر جلبا للباس جبة الإسلام في جوهره و روحه لا في قشره و جلده و إن كان الثاني ضرورة لاحتواء الأول لكن بحلة حداثية لا تتعارض و جوهر الدين.

1، انظر، العقل البشري، برنامج وثائقي على الجزيرة الوثائقية.

2، انظر اختبار مينسوتا المتعدد الأوجه للشخصية، أكاديمية علم النفس Minnesota Multiphasic Personality Inventory 

3، للمزيد من التفصيل انظر توينبي ونظريته التحدي والاستجابة ـ الحضارة الإسلامية نموذجا للكاتب زياد عبد الكريم النجم



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء