ايمان علوش - الغرور (قصة قصيرة للأطفال)



الغرور - قصة للأطفال

بقلم : ايمان علوش

في صباح مشرق خرجت فيه الشمس من مخبأها لتفرد ذراعيها الدافئة على مروج ( الغابة الماسية ) الاسم الذي أطلقه سكان الغابة على المساحة الخضراء التي تحوي البحيرات و الينابيع الدفاقة التي تتلألأ تحت أشعة الشمس وكأنها قطع من ألماس معلق على أقدام الأشجار والتلال .   

في تلك الأجواء اعتاد ملك الغابة " الأسد"  أن يدلل نفسه و يُلقي بجسده الضخم تحت شجرة التوت الكبيرة لينعم ببرودة ظلها و إطلالتها على أرجاء الغابة ، فيُرضي غروره بمراقبة ما يجري . كان مشغولاً بالجلوس في حضن تلك الشجرة وكأنه على عرش أخضر يُحدّث نفسه ( أنا القوي ، أنا ملك الحيوانات و أكثرها فتكاً . ) عندما سمع صوتاً خائفاً ينادي :

_ " أهربوا ! لا راحة لكم بعد اليوم و لا حياة . "

 انتفض الأسد من مكانه مزمجراً :

_ " و من يجرؤ على إخافة رعاياي وأنا سيد هذه المنطقة ؟ "

أرسل نظره ليرى أرنبين صغيرين قد سابقت أقدامهما أيديهما ، فصاح بهما :

_ " توقفا ، وأخبراني عن سبب هلعكما . "

 حاول الأرنبان الوقوف استجابة لأمر الأسد فوقعا على بعضهما وأجاباه بعد تأتأة :

_ " اهرب يا سيدي ، انه آت ، انه لا يرحم ، رأيناه عندما كنا نلعب في الوادي الأخضر . "

ارتعد الأسد منزعجاً من كلام الأرنبين ، هز رأسه مطلقاً شعره المصفوف بعناية وصرخ بوجههما صرخة زلزلت الأرض تحت أقدامهما .

_ " و من يجرؤ على الدخول لحرم غابتي و أنا الملك هنا ؟ "

مال الأرنبين الصغيرين على بعضهما و جمعا جسديهما بضمة مرتعشة :

_ " انه الإنسان يا سيدي ، و هو قادم نحونا . "

فسألهما الأسد :

_ " وهل هو من الوحوش الضارية ؟ أنتم تعرفون أنه ما من أحد يجرؤ على منازلتي . "

فقال له أحد الأرنبين وقد نال الخوف من جسده الصغير :

_ " انه من فصيلة الدهاء والمكر , إن أمسك بنا فسيفعل بنا الأفاعيل ، فيجعل من صغارنا دمى يتسلى بها أبناؤه ، أما نحن فمصيرنا معروف ، فلحمنا غدائه و فرونا لنعومة ملمس مقاعده ، فدعنا نسرع بالهرب علنا ننجو منه . " 

تعجب الأسد من قول الأرنبين وبدأ يكلم نفسه لابد أنهما أحمقين قد نالت الشمس من قواهما العقلية .

في تلك اللحظة ظهر حمارٌ يركض بسرعة وكأنه في سباق فتقدم الأسد نحوه بغروره المعتاد و مشيته المتعالية وقطع عليه الطريق قائلاً :

_ " على رسلك يا حمار فانك إن تمرنت في الليل والنهار لن تصبح حصاناً . "

أجاب الحمار منكسراً :

_ " أعلم ذلك يا سيدي و لك أن تستهزئ بي ، فأنت لا تدري ما ورائي ، انه الإنسان بجبروته قد اجتاز حدود الغابة إلى هنا . انه                                                                   إن أمسك بي وضع فوق ظهري سرجاً ثقيلاً ليجلس فوق ظهري إضافة لوضعه الأحمال ثقيلة الأوزان و يجول بي السهول والوديان دون أن يسأل عن تعبي وعندما أتعب أو يطل بي العمر سيربطني إلى ناعورة الطاحونة لأقوم بتدويرها حتى أموت . "

أحس الأسد بمصيبة الحمار المسكين و هول ما سيلاقيه و بدأ الغضب ينفخ أوداجه وسرعان ما ظهر جمع من بعيد تتقدمهم نعامة بيضاء اللون جميلة المظهر فعدل الأسد من وقفته ورفع رأسه عالياً كما يفعل الملوك أمثاله ليستقبل الوفد اللاجئ إليه .      

وصلت النعامة التي سبقها صوتها المرتعد مخاطبة الأسد :

_ " سنخرج من الغابة ، لم يعد لنا عيش بهذه الغابة بعد أن وصل الإنسان إلى حدودها ."

تملك الأسد غضب شديد ، فطرق بقدمه الأرض كمن يستعد للمنازلة ، ارتعدت النعامة التي حاولت أن تعتذر للهجتها السابقة :

_ " إن أمسك بي ذلك الإنسان فلن يوفر ريشي الجميل هذا و سينتف ريشي ليصنع منه مخدات ينام عليها قرير العين . "

قاطعها من بين الجمع ثعلب قد تلعثم فمه بالكلام من شدة غيظه :

_ " أنا ملك الحيلة و المكر ، و لكني أخشى على نفسي منه ، فمكري لا ينفع أمام أفخاخه المتنوعة ، و خططه الذكية . "

قطب الأسد حاجبيه وسأله متعجباً :

_ " حتى أنت أيها الثعلب ! "

لوى الثعلب رقبته مستعطفاً الأسد :

_ " أجل يا سيدي فهو إن أمسك بي جعل فروي الجميل هذا وشاحاً يلف رقبة زوجته . "

زمجر الأسد غاضباً :

_ " طفح الكيل انتظروا قدومه لتروا ماذا سأفعل لكم به . "

فحّت إحدى الأفاعي بضحكة مستخفة بغضب الأسد :

_ " عفوك سيدي لم أقصد الإهانة و لكنك لا تعلم عن الإنسان ما أعلمه ، فعلى مر السنين تقصّد الإنسان مطاردة بني جنسي و محاولة إيذائنا ، الأمر الذي أكسبنا الخبرة في التعامل معه ، فتعلمنا منه الذكاء ، وتعلم منا المكر ، فكان إن أمسك واحدة منا وضعها في سلة ليعرضها على مشاهديه متباهياً ، فأقنعناه أن يمسك ناياً و يطلق منه معزوفات نتراقص عليها فيسعد ذلك جمهوره و نرضي غروره .

ومنهم من كان يأخذ من أفواهنا السم ليصنع دواءه ويرمينا لا حول ولا قوة . ومنهم من كان أقسى وأطمع ، فكان يمسك بالأفعى ويسلخ جلدها اللامع ليصنع حقيبة أو حذاء فاخر أو أحزمة يلفها حول خصره دون رحمة .

أصاب كلام الأفعى الجميع بالدهشة فلم يلاحظ أحد سوى الأسد قدوم شخص قصير القامة نحيل الجسم يجر بيده شيء ضخم لم يتعرف على ماهيته فعاينه بعينيه وقال لنفسه ( ليس عليه ريش أو وبر ترى إلى أي فصيلة ينتمي ) فأطلق صوته متسائلا :

_ من تكون يا هذا ؟؟

فأجابه مبتسما أنا (الإنسان) انتبه الجميع ففرو هاربين  مرتعدين من حوله ، إلا الأسد الذي وقف مستغربا:

_ أنت هو!! لقد خيبت ظني فلا يبدو عليك شيء من القوة ولابد وأن حيوانات هذه الغابة قد جنت من خوفها منك .

 فضحك الإنسان ضحكة ماكرة :

_عفوك يا سيدي لم أقصد إزعاجك ، أرجو أن تسمح لي أن أذهب إلى السيد الفهد ،فلا أريد أن أتأخر عليه . فقد أوصاني أن أصنع له منزلا يليق بمكانه ليجربه بنفسه.

 أثار كلامه غيرة الأسد:

_ وهل تصنع له بيتا قبلي وأنا الأسد ؟

فقال الانسان بتواضع ودهاء :

_أنا تحت إمرتك يا سيدي إن شئت جربه فإن أعجبك أصنع لك مثله .

أعجبت الفكرة غرور الأسد وقام ليجرب البيت،  وعند ما دخل قال بغرور:

_ ما بال هذا البيت صغير وكأنه ..

هنا سبقه الإنسان مغلقا الباب بقفل قد أخفاه في جيبه :

_ قفص .أجل انه قفص صنعته خصيصا لك أرجو أن يعجبك . وضحك ضحكة قوية أوقعته أرضا فجلس الأسد المهزوم في قفصه و هو يلوم نفسه لعدم تقديره للخطر ، و تعاليه على نصائح الحيوانات الأخرى ، فقد هزمه عقل الإنسان رغم ضعف قوته .







شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء