أمال عبدالباري - جومانة




 جومانة

بقلم: آمال عبد الباري


فى تلك اللحظة تمنت لو تمسك بيديه , لو تعتصرهما بشده قدر غيابه لوتحتضنهما قدر حبها لو تقبلهما قدر افتقاده , , ارتبكت ملامحها بينما ترقبها العيون بدهشة " كل ممنوع مرغوب يا جومانة " تذكرت كلمات والدتها التى تقضى النهار أمام المنزل مع جاراتها يتسلين بقصص الحى وكل كبيرة وصغيرة فيه , كن إذا مرت أمامهن فى عدم وجود والدتها تغامزن عليها فتذهب إلى أمها دامعة العينين تشكو إليها " جاراتك يتهامسن بى " فتربت عليها فى حنان " يغرن منك يا أجمل جميلات الحى , كن يردنك لأبنائهن وها أنت تحطمين أحلامهمن جميعا وتلتحقين بمدرسة التمريض  , سوف تصيرين ملاك رحمة يا جومانة وسأفخر بك يا حبيبتى

لو كانت تعلم والدتها لمَ تعرج كل صباح على حقل جارهم العجوز لما سمحت لها بالخروج أبداً, ولمنعتها من إقتطاف تلك الوردات الصغيرات اللاتى تخبأهن فى جيب مريلتها الرمادية لكى تهديها " سعيدا"

ذاك  الذى يكبرها بعشر سنوات أو أكثر , التقته فى أحد أيام تدريبها العملى فى المستشفى الكبير على جانب النهر , ابتسم لها وهو يعطيها يده تغرز بها ذلك الجهاز المزعج الذى يمكنهم من خلاله حقنه العديد من المرات  , "هذه أول مرة لا أشعر بها "قال لها باسما فابتسمت على إستحياء وهمت مسرعة بالخروج  هذه أول مرة تلمس كف رجل ,لم تكن تظن أن اكف الرجال لها ذلك الملمس الخشن .

بماذا تشعرين يا جومانة؟  سألت نفسها بينما تعود إلى المنزل أخذتك ابتسامته وملمسه الخشن تسرب إليك الشعور بالحنين واأامان يا جومانة , كفاه تشبهان كفي  والدك تذكرانك به آه يالقسوة الأيام التى أخذته منك قبل أن يودعك .

رآها جارهم العجوز ذات يوم وهى تخبىء الوردات ابتسم " كبرتى يا جومانة وصرتى تخبأين الورود "قال لها مداعبا فهرولت من أمامه خجلى خائفة .

سعيد الذى كانت تتمنى لو تغوص فى كفه كما كانت تغوص فى كف أبيها كان يحدثها عن حياته الشاقة , بشرته السمراء تشع كفاحا وجهدا ما الذى ارداك مريضا يا سعيد ؟ ستذهب مثلهم وتتركنى , ستترك جومانة الصغيرة يتحرق قلبها للمرة الثانية , أحببته يا جومانه , وعشقت كفه الكبيرة التى تحتويك وهما تربتان على كفك, صنعت من خطوط يده البارزة عالما تتتوهين فيه , وسردابا لا يجدكما فيه أحد . فعلت ذلك وأنت تدركين أن الحب فى أعرافهم جريمة لاتغتفر

لم تعلم أي من صديقاتها وشت بها عند والدتها , لم تنتبه للأمر إلا وعصا غليظة  تستلم جسدها الغض وصياح والدتها يكاد يجمع الجارات المتنصتات " تريد ين فضحى يا جومانة !! أنا المخطأة البنت ليس لها الا الدار "

باتت ليلتها تذرف الدموع وحيدة فى ركن الغربة ,تتحسس جسدها المتورم بيننما تتساءل ألا يكفى الحب ضريبة ما تعانيه أرواحنا حتى ندفع من أجسادنا ثمنا

حبستها فى المنزل اسبوعا كاملا حتى وعدتها أنها لن تعود لذلك أبدا ً, وعادت منكسة الرأس حزينة إلى المدرسة .

فى نهاية اليوم جعلت تختلس النظر وراءها بينما تتجه بخطوات بطيئة يسبقها قلبها إلى المستشفى الكبير.

عندما وصلت إاى هناك كان السرير خاليا والممرضات يرمقنها بنظرة شفقة , رحل سعيد يا جومانة تاركا خلفه ورداتك الذابلات ,أمسكتهن بين يديها والدموع تنهمر بشدة  انتظر يا سعيد انتظر حتى ألمس يداك , انتظر حتى تعطينى سنوات العمر التى كبرتها بين يديك وفى خطوط وجهك , لا تكسر قلب جومانة الصغيىر ذات المريلة الرمادية والوردات الصغيرات انتظر يا سعيد.




الإبتساماتإخفاء