هاني عفيفي - "عمي ساراماجو" حلقة فنية لثورة



 عمي ساراماجو.. حلقة فنية لثورة
بقلم: هاني عفيفي


الثورة مرحلة هامة وركن رئيسي في التاريخ البشري فالتحول السلمي في خط سير الحياة البشرية ضئيل جدا ويكاد يكون غير موجود بالاساس فكلما ازداد التمرد الذي ينتجه الفن يزداد معه في تناسب طردي التمرد الذي يعد وقودا للثورة ليعود التمرد من جديد للفن ولكن بمزيد من التحرر لتدور تللك الدائرة الجهنمية دوما منتجة لنا فنون واداب جديدة .

إلا ان توثيق حالات التمرد برؤية الفنان -والذي في كثير من الاحيان يتعلم التمرد من الثورة نفسها –هو التاريخ الحقيقي حتي لو تواري تحت وطأة من انتصر في نهاية مطاف الثورات فنجد مثلا ان لوحة الحرية تقود الشعب للفنان الفرنسي (فرديناند فيكتور أوجين ديلاكروا) احد اهم الاعمال المعبرة عن نقطة التحول الهامة في تاريخ البشرية عن الثورة الفرنسية العظيمة التي تعد ام الثورات  وصاحبة اليد العليا في تغير النظام الاجتماعي الذي حكم العالم فيما بعد إذ كانت ثورة البرجوازية ضد الاقطاع و التي تكونت اهم نتائجها  المباشرة  في قيام اولي الدول العلمانية الديموقراطية .

الطفرة هي الاساس الذي يتفق و ينطلق منه العمليتين (الثورة والابداع) لذا نجد انه من الطبيعي بل من الضروي ان تقتبس الثورة في اكثر من موضع ابداعي منها لوحة ديلاكروا التي تعد اول واشهر لوحة سياسية و التي اصبحت فيما بعد وعلي ما يبدوا المايستروا الذي وضع اول نوتة موسيقية في التاريخ لنجد ان رؤيتها للثورة والحراك الاجتماعي تطور بتطور المجتمعات وتطور حاجات البشر وظهر متبلورا بعدة اشكال  وانماط فعلي سبيل المثال نجد ان جوزيه ساراماجو في رائعته العمي و التي تتمحور حول نوع من العمي الغريب الذي اصاب كل سكان المدينة عدا زوجة الطبيب و التي يري من خلالها نفس ما رأه (ديلاكروا) (فسرماجوا ) يري ان الثورة احد العوامل الاساسية في الحياة جعل ايضا زوجة الطبيب حرية تقود شعب من العميان فالوصف الذي اورده لزوجة الطبيب عقب احتراق المجمع الذي تم الحجر فيه علي المجموعة الاولي من العميان هو وصف يتعايش في  نفس الاجواء التي اوردت في اللوحة العبقرية ( الحرية تقود الشعب).

يمكن ان نعتبر الثورة وسيط لعملية المجايلة الفنية فهي اتخاذ شكل فني او غيره من جيل سابق كذلك تعتبر لحظة اقتناص الثورة في عمل فني هي لحظة جديدة من المجايلة بخلاف لحظة اندلاع الثورة التي فيها نسقط كل الاشياء سوي البحث عن المساواة و العدالة فاستلهام روح الثورة من اي عمل فني  ثوري يستدعي بداخلك الثورة دون ان يؤثر علي مستوي وعيك عن انك في لحظة مغايرة تماما عن تلك التي يخلدها العمل الفني ، فعلي سبيل المثال يري ديلاكروا الحرية مرشدا يقود الجماهير نحو المزيد من الحرية تحمل الراية وتطالب بانتصار الجماهير التي تقف بجانبها بينما يري سارامجو ان الحرية و العدالة اتحدتا ليكونا شهوود علي كل ما يعتمر به الانسان في لحظات الضعف فزوجة الطبيب هي التي شهدت كل سوءات المجتمع الذي ضربه الوباء الغريب حتي انها شهدت ما دار بين زوجها والفتاة التي ترتدي النظارة السوداء رأت عنف القتلة وغشم السلطة وخوفها المتمثل في الجنود الذين كانوا يحرسون المصحة ، من هنا يمكن لنا ان نجد فروق كبري بين ما ارخه ساراماجو وديلاكروا فديلاكروا كان يري ان المستقبل يبدأ بقوة ولابد ان يكون قويا مدججا بروح الثورة فالفتي الذي كان يجاور السيدة في اللوحة يمثل مستقبل الثورة وما علي الجماهير ان تفعله فيما نجد ان الصبي الذي اصيب بالعمي في عيادة الطبيب وهو المقابل لفتي ديلاكروا والذي استخدمه( فيكتور هوجو ) تحت اسم (جافروش ) في رائعته البؤساء قد قدع كل صلة له في خضضم ثورة متخيلة علي وباء غير معروف تصرفت السلطة السياسية القائمة حياله بالكثير من الغباء وقلة الحيلةوكأنها تتعامل مع حفرة ظهرت اثناء رصف طريق  قد قطع كل صلته بماضيه معتمدا تماما علي الشرائح المرشحة للثورة من وجهة نظر سارامجو  (زوجة الطبيب  والفتاة التي ترتدي نظارة سوداء او الفتاة التي كانت تعمل بالبغاء )  علي ذلك فاللحظة التي وجدها سارامجوا كانت مغايرة تماما قد تكون لحظة صد اعتتداء علي الجماهير مما انبئ بثورة مكتومة فالحرية تشاهد في هدوء منتظرة لحظة الخلاص  .

و من هنا نجد ان تعدد الرؤي يخدم في المقام الاول المتلقي الذي يستطيع ان يكون لديه وجهة نظر واضحة عن اغلب القضايا .









الإبتساماتإخفاء