أمير مصطفى - شق القمر



 شق القمر

بقلم الكاتب: أمير مصطفى



بعد المحاولة المتميزة التى قدمها على بدرخان فى فيلمه (الراعى والنساء - 1991) ، وكذلك المحاولة المتواضعة التى تحمل توقيع خيري بشارة - للأسف - فى فيلمه (رغبة متوحشة بعدها بعام واحد 1992) تأتى أخيراً المخرجة المسرحية الشابة ريهام عبد الرازق لتقدم من جديد مسرحية (شق القمر إنتاج - 2017) المقتبسة عن رائعة الإيطالى أوجو بتي (جريمة فى جزيرة الماعز 1948) .

وعبر تحدى عسير تثبت المخرجة أن فن المسرح يملك القوة للتفوق على سحر السينما إن توافرت له الأمكانات الحقيقة وتتفوق فى عرضها (شق القمر) على كل المحاولات السابقة بل قد تفوق النص المكتوب على نص أوجو بتى ذاته ، لتقدم خلاله المخرجة ملحمة متخمة بالصراعات والتناقضات الأنسانية ، تثير لدى المشاهد العديد من التساؤلات حول مفاهيم الطهر والغواية والخطايا والأدعاء ، فى محاولة لوضع المشاهد فى المواجهة مع ذاته عبر نزاعات أبطال العرض المستعرة بين أنفسهم وبين بعضهم البعض من خلال فصول المسرحية التى تدور فى مكان واحد ثابت وديكور لا يتغير فى تحدى آخر عصيب للتغلب على الملل الذى قد يتسلل للمشاهد من ثبات الرؤية.

إلا أنها نجحت وأجادت تماما فى خوض ذلك التحدى والأنتصار فى معركتها الفنية عبر ديكور رائع شديد الأحترافية لمصممة الديكور المبدعة جداً (دينا عزيز) .

وترتكز المخرجة فى رهانها لكسب كل هذه التحديات على عدة نقاط قوة اجادت فى إستخدامها ببراعة لتصنع حالة عظمى من الابهار والمتعة العاطفية والذهنية على حد سواء لتقدمها للمشاهد على طبق من فضة.

أول وأهم ركيزة من ركائز القوة فى ذلك العمل كأى عمل فنى آخر فى الواقع هى الكتابة ، وهنا لا بد من التوقف كثيراً عن روعة وعبقرية النص المسرحى للكاتب سامح عثمان.

بداية قام الكاتب فى لمحات قصيرة مختصرة بتقديم تمهيداً رائعاً للصراع القادم عبر توصيف بسيط لبيت الولايا (جمع ولية) وهو هنا المعادل لجزيرة الماعز مكان الأحداث ، وعبر شخصيات مرسومة بدقة هائلة تجعل جميع أفعالها وردد أفعالها شديدة المنطقية والتقبل لدى المشاهد قدم الكاتب رؤيته الفنية وكل شخصية تنطق بما يناسبها بحق دون (فذلكة) فتخطى بسلاسلة فخ الخطابية وطغيان (صوت الكاتب) ، تلك الآفة المصاب بها أغلب كتاب المسرح للأسف.

يبدأ العرض فى تعريفنا بالبطلات الأربع من النساء ومأساتهن وقهرهن تحت مقومات الحياة الشاقة التى يحينها خلال رقصة إيقاعية جميلة تمهد لأكتشاف عالم كل منهن الخاص بعد ذلك فى مشهد سريع الأيقاع مشوق نتعرف خلاله على شخصيات العرض الاساسية وهن :

الجدة (أم الهنا ) وهى شخصية جديدة تضاف للحبكة الاصلية لتضفى الكثير جداً للنص وتفيد فى تقوية الصراع وتقدم الكثير من التفاسير ، نجدها هنا أمرأة عجوز تقليدية جداً تنطق بالحكمة المكتسبة من رحلة شقاء فى الحياة ، معتلة القلب تحيا بحبات (النترات) ، وتبقى مهمومة بحراسة المنزل ، تملك مسدساً وتسهر كثيرا خوفاً من طمع الطامعين فى الثروة أو فى (الولايا) على حد سواء ، وتحلم بعودة إبنها الغائب (رحيم) البطل الذى تدور حوله القصة بأكملها ولكنه لا يظهر أبداً.

هذه الجدة وتؤدى دورها ببراعة الفنانة (زيزى محمود) تعشق حفيدتها وترعاها وتغدق عليها بالحنان الذى تفتقده من أمها الأصلية لتصبح هى أمها الحقيقة. وتكره زوجة أبنها (وفاء) وتنازعها الزعامة على مقاليد البيت بكل مشتملاته.

(وفاء) التى تلعب دورها (ريهام عبد الرازق) المخرجة ذاتها هى إمرأة متسلطة ، صارمة. تعامل الجميع بما فيهم إبنتها بتعال وحدة عبر سلسلة من الأوامر والنواهى المتعجرفة وتفرض سطوتها على الجميع بما فيهم المرأة العجوز كبيرة المنزل ، لتكون هى الزعيم الحقيقي لهذه الأسرة ، وهى التى تقود شئون المنزل وإقتصاد الأسرة المتمثل فى تجارة القصب ، وتتفق مع التجار وتشرف على العمال وتدير تلم المنظومة بصرامة وحزم ، وتكره الجدة التى هى أمتداد لزوجها الغائب الذى تمقته. وبرغم أختلاف الجدة والأم إلا أنهما منذ اللحظة الأولى متفقتان على مفهوم واحد يجعلهما يحتملان بعضهما البعض ويحتملان تلك الحياة العسيرة ألا وهو مفهوم (الطهر) سواء بالمعنى الظاهر أو الباطن (البيت ده لازم يفضل نضيف) جملة تتكرر عبر لسان الجدة والأم فى أكثر من موقف (نضيف) من الفوضى التى تشيعها (قمر) بأشيائها ، و(نضيف) من الدنس بكل صوره.

برغم أنه فى المشهد الأفتتاحى بين الجدة والأبنة تلقى الجدة بمزحة ذكية (إيفيه حلو وجديد) حينما تسأل عن موسيقى (تشايكوفسكى) فتعتقد الجدة أنها (شاي ويسكى) هو" ويسكى بس محطوط عليه شاى .. كان (رحيم) بيشربه " هكذا تقول فى الحوار بسلاسة كأنه أمر طبيعى جداً ، فى إرهاصة شديدة الذكاء من الكاتب تقدم الكثير من التفسيرات فيما بعد لتبرر الكثير من الأفعال.

والابنة التى تلعب دورها الفنانة الشابة (ماجى أحمد) هى فتاة مراهقة مدللة تذوب فى عشق الفنون وتدرس الفن التشكيلى وتتفوق فيه وتغرق فى بحور الرومانسية طبقا لحداثة سنها وأحلام المراهقة التى تراودها عبر رسمها لفارس أحلامها فى لوحاتها.

ثم آخر النساء تأتى الخالة (مريم) الأخت الكبرى ، الهادئة ، المنسحقة تحت مهام البيت والعمل وأوامر أختها الصغرى (وفاء) المتسلطة على الجميع .

(مريم) التى تقوم بدورها الموهوبة جدا (سلوى أحمد) ، نجدها أمرأة قاربت العنوسة تحلم بزوج يمنحها الحب ويساعدها فى مهام العمل الشاقة ولا تصرح بذلك هى فقط تلمح به لأختها التى تنهرها دوماً .

مريم إمرأة ورعة ، طيبة ، ودودة ، تحب الجميع وتتلمس الأعذار لصرامة أختها وتعشق الأبنة (قمر) وتتبناها هى أيضاً فى محالة منها هى الأخرى لتعويضها عن حنان أمها المفقود كما تفعل الجدة .

هذه الشخصيات والعلاقات بينهم نراها خلال حوار رشيق وممتع وأداء مميز بين البطلات أثناء ممارستهن لحياتهن التقليدية فى المنزل المنعزل عن العالم فى تلك البقعة البعيدة للأرض التى لا يحيطها سوى غيطان القصب ولا تتعامل سوى مع عمال التراحيل.

حتى يظهر (آدم) ليقتحم (بيت الولايا) فى ليلة عاصفة فى مشهد ممتع خفيف الظل تألق فيه الفنان (أحمد جابر) ليظهر من خلاله شاب مخضرم يجيد الكثير من الأشياء ، وينقذ المخزن من حريق مفاجئ فى مرح ويشيع جو من البهجة عبر جنبات هذا البيت الكئيب ، ويظهر ودوداً ، معطاء ، لا يتردد فى المساعدة أبداً وينقذ البيت للمرة الثانية من الغرق بسبب خزان الماء المثقوب بفعل العواصف الشديدة.

فيتقبلنه بينهن فى سلاسة – باستثناء (وفاء) – ليساعدهن فى أعمالهن الشاقة بالمنزل ، ونراه فتى بائس ذاق السغب بعد الرفاهية فقد كان ابن لتاجر ثرى وقع ضحية مجرم استولى على كل أمواله فمات من حسرته ليستانف هذا المجرم جريمته ويستولى على أمه بالزواج منها مما جعله ينطلق شريداً فى الأرض يتلمس رزقه كيفما يتفق.

وهكذا يستقر آدم ليعمل فى بيت الولايا ليبدأ الفصل الثانى من المسرحية .

آدم شاب واسع الثقافة كثير الأطلاع يقرض الشعر ، عاش معاناة طويلة فى الدنيا أكسبته المزيد من الخبرات فصار فليسوف ينطق بالحكمة ويملك الكثير من الأقوال المأثورة ، يستخدم مصطلحات شديدة الشعبية تارة وشديدة الفصاحة تارة أخرى خلال حديثة الدائر مما يتناسب بشدة مع تكوينه الشخصى .

يحاول آدم التودد لوفاء أثناء مساعدته أياها فى عملها بـ(الزريبة) ويبدأ فى التقرب لها لتستجيب للحظة واحدة ثم تتمالك نفسها وتصفعه على وجهه فى آداء عنيف من شخصية متكبرة مثلها تواجه صعلوكاً يحاول التطاول عليها وتتركه وحيداً يموج بالغضب ليقرر بعدها المحاولة مع الأنثى الأضعف والصيد الأسهل مريم.

فى مشهد هائل متكامل من حيث الأخراج وآداء الممثلين يبدأ آدم فى أستخدام حنكته مع مريم ويبدأ فى لي عنق الحقائق والنطق بكل حق يراد به باطل فى حوار شديد الروعة والمتعة وأداء فائق من الممثل ليجسد أعظم صور الغواية ويتحول إلى شيطان عقلانى صاحب منطق ورأي يبدو صائباً فى ظاهره لينال من خلاله مراده الخبيث.

ويستدرج مريم للخطيئة بترحاب شديد منها ، لتقوم بينهما علاقة غير شرعية تألقت المخرجة فى تقديمها عبر آداء حركى شديد الرقى والتميز يمنح المعلومة الكاملة دون أى حركة مبتذلة أو حرف مسف.

بعدها تتجلى صورة مريم الحقيقة لتظهر وجهها البشع الحقيقى المستتر تحت قناع زائف من الوداعة والتدين المصطنعين لنجدها أمرأة مجربة ليست بتولاً كما تدعى ، أنسان يعشق الرذيلة ويتمناها ويدعى أنه يترفع عنها  فقط لأنه لم يجدها بعد ، وكما ورد على لسان(آدم) أثناء إغوائها : " أنا الرذيلة اللى طول عمرك بتحلمى بيها .. أنا خطيئتك المنتظرة " .

فى طرح رائع لحكمة مستترة يقدمها العرض ، إن الشيطان لا يملك سوى الغواية ، بينما الإنسان الملطخ بالدنس هو من يهرع نحو خطاياه برغم أدعاءه للفضيلة .. أن الجميع يدعون الشرف حتى تحين لحظة الاختبار الحقيقية .. " اللهم لا تدخلنا التجربة ونجنا من الشيطان " كما تقول صلوات المسيحية.

فمريم تهوى العلاقة مع آدم ولا تندم عليها للحظة بل وتحافظ على استمرارها فى الخفاء وتنهره بالجهر بها وتأمره دوما بإطفاء نور المخزن مكان لقاءهما ، وتخبره أنها ستأتيه مرتدية عباءه سوداء تسترها ، هى دوما تحافظ على صورتها الخارجية النقية وصورة البيت (النضيف) فى العلن وتعيث فساداً فى الظلمات ، ويهديها آدم زجاجة عطر تتمضخ به قبيل لقاءهما ليعرف بقدومها في الظلام وكذلك يصير هذا العطر دليلاً على الرابطة بينهما وسرهما المشترك.

يأتى بعدها مشهد شديد التألق بين الأختين فى مباراة تمثيلية رائعة بين الفنانتين( ريهام وسلوى) حينما تجهر مريم بخطيئتها أمام وفاء فى قوة كاسحة تظهر من خلف قناع الانهزام المظهرى بل وتهدد وفاء بما تعرفه عنها ، فتلك الأخرى مدنسة وقد أغوت جارهما من قبل فقط حينما عرفت بميله لأختها وحين تهددها مريم بفضيحتها تنكسر صرامتها المزيفة أمامها ، كلتا المرأتان تكرهان بعضهما البعض ، شديدتا الأنانية ، تتنازعان منذ الطفولة على كل شئ وتطمع كل منهما فيما لدى الأخري بحقد موتور.

وتبدو لنا المرأتان فى تلك اللحظة مجردتان من أقنعتهن جميعها ، لتظهران على صورتهن الاصلية : شيطانتان مجردتان من أى شئ سوى الشهوة والخطايا.

ثم تقدم المخرجة مشهد شديد الحنكة يحافظ على مفاجئة الجمهور تبرز خلاله وفاء وهى تقوم بالتسلل إلى المخزن المعتم فى هيئة مريم بعدما سرقت منها زجاجة العطر والعباءة السوداء ، لتسلب ليلة من المتعة فى أحضان آدم ، وكذلك تسلب أختها رجلها الجديد.

وهكذا تصير زجاجة العطر مفتاح الخطيئة فى استدعاء لرائعة (يوسف أدريس) (بيت من لحم) حينما كان (الخاتم) هو مفتاح الخطيئة الذى تتبادله النساء فيما بينهن لذات الغرض.

بالقطع آدم ميزها ولم يصارحها بذلك سوى بعد أن نالها ، وهكذا بدأ بمواجهتها والسيطرة عليها لتنكسر أمامه بعدما أنكسرت أما اختها ، وفى مشهد انتقامى منه يتلذذ بإيذاءها وإذلالها ويختتم الأمر برد صفعتها له بصفعة أقوى .

وفى مفاجأة أشد قسوة نجد مريم تراقبهما كعادتها فى التلصص على أختها ، لتكون المواجهة الكبري بين الثلاثة المنغمسين فى الخطيئة ، الأختين والرجل الذى تتقاسمانه بل وتتضح الصورة الوضيعة أكثر للزوج رحيم السكير .. الوغد .. شديد الأنانية والمجون الذى اتخذ من الأختين أداتا متعة ، أحداهن زوجته والأخرى عشيقته ، وفى توحش وعزة بالغة بالأثم جسدتها سلوى أحمد ببراعة شديدة ، تخبر مريم أختها وفاء بكل ذلك ، لتتلقى تلك المرأة صدمتها الثالثة فتزداد أنكسارا.

وتكون هذه المرة الثانية التى تتقاسم فيها ذات المرأتين الشقيقتين نفس الرجل.

هنا الأختلاف الأعظم عن نص أوجو بتي حيث كان الصراع بين الزوجة وشقيقة الزوج ، ويحوله الكاتب هنا بين الشقيقتين فى تأثر آخر بمسرحية الأنجليزى (تينيسي وليامز) (عربة اسمها الرغبة).

إن الأبداع الحقيقى للكاتب يتجلى فى ثقافته الواسعة واستفادته من قراءاته وحيث لم يعد هناك فرصة لتقديم مكون جديد للحبكات (فما غادر الشعراء من متردم) . لذلك فإن الابداع الحق يكون فى استخدام المكونات السابقة المختلفة للتوصل لتوليفة جديدة تقدم معطيات جديدة.

وقد تفوق المبدع سامح عثمان فى صناعة هذه التوليفة ليقدم عرض جديد تماماً ينقل للمشاهد حالة من المتعة منقطعة النظير.

ويبدأ الطرح الدرامى للمسرحية فى إظهار توغل آدم فى حيواتهم أكثر فتبدأ قمر فى رسم بورتريه له متخذة أياه نموذجاً لفارس أحلامها وتشعر تجاهه بعواطف المراهقة وتحاول التقرب منه فيبدأ محاولة إغواءها هى الأخرى ليضمها إلى (الحرملك) إلا أن الجدة تقاطعهما وتحاول نجدتها منه فتهرب الأبنة وتبقى المواجهة بين الجدة والشيطان الذى تسلل إلى بيتهن .



هنا فى مشهد نموذجي للأداء التمثيلى بدون مبالغات أو أفتعال يواجه آدم الجدة بكافة الحقائق المستترة ليعلمها أن إبنها الغائب هو المجرم الذى وقع ضحيته ، رحيم هو من فتك بالثروة وتسبب فى موت الأب بحسرته وأختطف الأم بعقد زواج بل وأغتصب الأخت كذلك ليكمل مسيرته الشهوانة فى الحصول على كل شئ بأى وسيلة سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة ، هو الذى صنع من آدم آلة مسعورة للأنتقام .

وأنه / آدم قد تسلل إلى منزلها ليحقق أنتقامه كاملاً وأنه من تسبب فى حرق المخزن وخرق خزان المياة ليتسنى له التواجد بينهن ، ويبدأ آدم فى مهاجمة الجدة المريضة بالقلب بشراسة شيطانية ويتحول آدم المرح الشاب الظريف إلى غول حقيقى يفترس ضحاياه فى مناورة آداء عظمى بين زيزى محمود و أحمد جابر .

حتى تنتاب الجدة نوبة القلب فيستمر هو فى تعنيفها بوحشية ويمنع عنها دواء القلب (النيتروجلسرين) لتموت بالذبحة الصدرية فى مشهد وحشى يصرخ بعده (آدم) فى مواجهة القمر الساطع كالمذئوبين مخاطباً شبح (رحيم) ليعلن عليه أنتصاره وتحقيق كامل أنتقامه بعدما قتل أمه وأستولى على نساؤه كما فعلها به من قبل ويبدأ كذلك فى محاولة السيطرة على كل مقاليد الثروة.

بعد موت الجدة تحاول وفاء التى هدمتها الصدمات من التودد إلى أبنتها لتتذكر أخيراً دورها كأم بعدما أهملته طوال سنوات فى محاولة منها لتصحيح أخطاءها ، إلا إن (قمر) ترفضها بعنف وتبقى منهارة على فراق جدتها حتى أنها ترفض محاولة آدم فى التقرب منها بأسم الحب الزعوم وكأنما أكسبها الحزن سنوات من الخبرة فوق عمرها وهنا لا يجد آدم بداً من الإستيلاء عليها بالقوة مغتصباً أياها ليحقق مراده فى أتيان كل فرج فى المنزل وبصورة تحقق إنتقامه الجلى ما فعل رحيم بأخته مسبقاً.

كانت تلك الضربة القاسمة للمرأتان ، قمر الإنسان الوحيد الطاهر فى هذه المستنقع الذى كانت كل واحدة منهما تحافظ عليها وتحاول أن تصنع منها أنسان أفضل قد أصابتها الرذيلة مثلهما وصارت ثالث جارية فى حظوة آدم ، تحدث الصدمة العظمى لـهما وتتفجر داخلهما براكين من الندم الممزوج بالمقت لهذا الوغد ، بعدما فقدتا كل شئ.



وفى مشهد عظيم بعدما تسيطر نشوة الأنتصار على آدم ونشوة السكر كذلك ، يغريه الأمر بالمزيد من السيطرة ليحاول إجبار ثلاثتهن على الرقص له تحت تهديد السوط ، وتتجلى خلال رقصة إيقاعية شديدة الجمال مظاهر الندم والقهر على وجوههن فى آداء متميز من الجميع لتتحول هذه الرقصة إلى معركة بين الرجل القوى لكنه مخموراً لا يملك أن يصلب قامته وبين ثلاثة نساء موتورات تحمل كل منهن عصا ثقيلة تهوى بها عليه ليموت تحت أقدامهن.

العرض المقدم يرصد الشر القابع داخل الأنسان والمتناقض مع صورته المظهرية ، (آدم) ذات النسخة من (رحيم) ، الشيطان الذى يريد كل شئ بأية وسيلة فقط . وهو يتخذ فكرة الأنتقام مجرد مبرراً لأفعاله ، والجدة التى أستحقت القتل هى من صنعت من (رحيم) هذا الشيطان وكانت تشجعه على كل موبقاته.

إن الخطايا لا تموت بل تلاحق الأنسان حتى آخر لحظة من عمره ، كما إن الإغواء لا يصلح سوى مع من كان مستعداً له ، وإن المظاهر برغم إنها خداعة إلا أن الحقائق تتكشف بفعل الزمن ويبقى للأنسان حقيقته الذاتية فقط مهما أدعى ومهما أرتدى من أقنعة.

لقد أجاد الكاتب فى أختيار الاسماء بصورة فائقة لأبراز التناقضات بفجاجة محمودة ، فآدم هو رمز الرجل على تلك الأرض (بيت الولايا) ، وهو هنا مصدر الغواية تجاه كل حواء فى المنزل فى تناص رائع مع قصة الخلق.

أما الجدة أم الهنا ، أمرأة كئيبة ، قاتمة المظهر ، تنشر البؤس والشرور بل هى حرفياً أم الشر الحقيقى المدعو رحيم الذى هو قسوة وكراهية تمشى على الأرض ولأنه شيطاناً فهو يستحق الزواج من وفاء التى تخونه بل وتخون كل ذى أمانه لديها ، وأختها مريم مدعية التبتل والورع التى هى مجرد عاهرة عابثة لا يحركها سوى غرائزها الجنسية.

قمر برغم كونها الإنسان الوحيد البرئ وسط هؤلاء المذنبون لم تستطع أن تنير نفوسهم المظلمة.

وقد برعت المخرجة فى عرض المشاهد العصيبة على المسرح بالاستعاضة عن التمثيل بالتعبر الحركى والرقصات الإيقاعية التى جاءت موفقة جداً ومعبرة بشدة للحدث بخطوات صممها الفنان سمير نصري بتفوق شديد.

كذلك من أعظم أدوات العرض الصانعة للحالة الكاملة الأعداد الموسيقى الذى قدمه ببراعة محمد طايع ، والإضاءة المبهرة الناقلة لكل مشاهد العرض والتى تحمل توقيع العالمى محمد المأموني.

و تجلت عبقرية المخرجة فى أختياراتها لأبطال العرض حيث كل منهم شديدة التناسب فى تكوينه الجسمانى وملامحه مع شخصيته المقدمة حيث لا يمكنك تخيل شخص آخر فى نفس الدور.

أخيراً إن الحالة التى قدمها عرض (شق القمر) من أعظم وأروع الحالات التى يقدمها عرض مسرحى من الابهار والمتعة للجمهور بصناعة عمل فنى متكامل الاركان ومتقن التنفيذ كهذا العرض.




                                         أمير مصطفى
                                          الإسكندرية
                                            فى 24 / 12 / 2016


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء