أحمد الشنواني - مبدع ولكن






مبدع.. ولكن

أحمد الشنواني

إن الإبداع هو مسار الشعوب نحو التقدم والرقي الإنساني، تكمن قيمة الإبداع في كونه الأيقونة المحركة لإتجاهات الأفكار والرؤى داخل الشعوب والمجتمعات.
يقول (هارول أندرسون) في تعريف الإبداع أنه عملية إنتاج تشهد كل لحظة من لحظاتها ولادة جوهرة ذات قيمة، وليس ذلك فحسب بل تكمن الأهمية في كون الإبداع ضرورة من ضرورات الحياه بحيث أنه لا يمكن ان تستمر حياة الشعوب والمجتمعات بدون إبداع ولا مبدعين.

ولكن دعوني أصطحبكم لبعض الوقت كي نلقي نظرة على ما يعانيه الإبداع والمبدعون في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية،  إنه لأمر محزن حقا ما آلت اليه الأمور، فلقد اكتظت صدور المبدعين العرب بالأنين والضيق مما يلاقوه في زمننا هذا، فلا دعما يقدم  ولا يد تشكر ولا أي شئ من هذا القبيل، بل يحدث عكس كل ما سبق ذكره، فلقد أصبح ما يلاقيه المبدعون من معوقات أمرا فاق ذكره، فمن أكبر العواقب في طريق المبدعون هذه المجتمعات نفسها بجمودها وثباتها ورفضها للتغيير والتطوير.

فلقد أصبحت المجتمعات تبحث فقط عن البضاعة الرائجة، أو بمعني آخر السلعة وفقط، أي ما يجلب لي المنفعة والسعادة حتي وإن كانت هذه السعادة لحظية منقوصة، وهم بذلك قد قاموا بتحويل مسار الإبداع من كونه قيمة في حد ذاته ككونه تطور في مسار الفكر الإنساني الحديث، وقاموا بتحويله إلي سلعة استهلاكية يقوم الفرد بتقييمها علي حسب المنفعة والمكاسب التي تعود منها عليه فقط، بغض النظر عن الفكرة وما تحتويه من مكاسب آخرى كثيرة وكبيرة، ولكنها ليست مكاسب مادية فحسب، ولكن أيضا مكاسب بشرية وقيمة معلوماتية تضيف رونقا جديدا الي حياه البشر، وتساعدهم نحو المضي قدما إلي الاصلاح الفكري والتقارب الثقافي بين الشعوب.

ثم بعد ذلك نأتي لبيت القصيد، وللقشة التي قسمت ظهر البعير، وهو تصنيف الدولة للإبداع والمبدعين، فهذا يطلق عليه لفظ (مبدع) واذا سألنا لماذا كان الجواب: لأن ما يقدمه يتوائم بصورة أو بأخرى مع ما تعتقده السلطة الحاكمة أو كيان الدولة علي أنه ابداع، فتقوم الدولة بإبرازه والترويج له في كل وسائل الإنتشار المعلوماتية، وعلي النقيض إذا تم تقديم فكر أو رأي آخر يخالف السلطة أو ينتقدها علي هيئة لوحة إبداعية، الغرض منها التحسين والاصلاح، أخذت وضربت بعرض الحائط أو مزقت ورقاتها ورميت في سله المهملات، هل هذا يسمي ابداع؟

وهل كل مبدعا أو صاحب فكرة أو رأي لابد أن يكون موالي للسلطة ولفكرها حتي تسلط عليه الأضواء، وهل ليس من حق صاحب الفكر أو الرأي أن يكون له ماهيته الخاصة ورأيه المستقل حتي وإن كان معارضا، اسئلة كثيرة لم أجد لها جواب، فلهذا جئت مسرعا لكي أطرحها عليكم، وأنال شرف الاجابة من حضراتكم.

وفي الختام دعوني اذكر لحضراتكم سبل وطرق العلاج لكي نتخطي تلك المعوقات والتحديات التي يواجهها الإبداع والمبدعون

أولا : الإيمان والتصديق الكامل بأن الإبداع هو الطاقة الكامنة في الروح البشرية وأن السبيل الوحيد لتقدم الدول والمجتمعات هما المبدعين واصحاب الحلول غير التقليدية.

ثانيا: تقديم الدعم المادي والمعنوي والمعلوماتي والوقوف جنبا الي جنب بجانب المبدعين، والإيمان بقدرتهم علي تغيير نمط الحياة وأساليبها إلي الأفضل.

ثالثا: استقلالية المبدعين عن الدولة، بحيث تقدم الدولة والمجتمع الدعم الكامل دون المساس باستقلالية وحرية الرأي وقيمة الإبداع الثابتة الراسخة، التي لابد أن تعلو وتترفع عن أي توجيه خارجي،  لأن هذا الأمر يعد عبثا، ولا يخدم المصلحة العامة.

رابعا :ترويج هذه البضاعة بين كافة طبقات وفئات المجتمع، وعدم النظر إليها علي أنها مثلها كمثل غيرها، لأنه كما قد سلف ذكره أن المكاسب التي سوف تعود عن طريق رواج هذه السلعه، ليس مكسبا ماديا فقط، لكنه أسمى وأعلى من ذلك إنه مكسبا انسانيا.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء