د. أحمد عصمت عطيه - وما أبريء نفسي




 أنا من ظننت صغيراً أنني قادر علي امتلاك الدنيا بأسرها، ولما كبرت قليلاً ارتضيت بنصفها،  ومع الوقت اكتفيت بالقليل منها، وفي لحظة نضج نادرة، رضيت بامتلاك نفسي فقط، لكن حتى هذه النفس لم أجدني قادراً علي امتلاكها .. حينها فقط أدركت من أنا !! .. وأدركت أنه لا أنا .. 

أنا من كنت صغيراً؛ فكنت كسائر الأطفال في أفعالي الكثير من الحماقات التي لا ترضي أصحاب العقول الكبيرة، وكنت دائما ما استمع إلى أبي رحمه الله, يدعو لي في شيء من السخرية ( بكرة تكبر وتعقل ) ..
وكبرت وتخطيت الأربعين، ورافقت من هم في مثل عمري، وكذلك من سبقوني إلى الخمسين والستين، ونظرت في أفعالي وأفعالهم، فما وجدت ألا المزيد من الحماقات التي تأصلت في الخصال، فظهرت في سئ الأفعال والأقوال.. 
واكتشفت إنني على قدر ما كبرت في العمر، كبرت معي حماقاتي، واكتشفت أن حماقاتنا نحن الكبار  ينأي عن ارتكابها الأطفال الصغار ..
ووجدت أن حماقة الأطفال هي حماقة من هو ليس مكلفاً بعد، من رفع عنه القلم، من لم يبلغ الحلم، هي حماقة من لم يكتمل له عقل ولا فكر، هي حماقة من ليس له في الحياة أي خبرات، ومن لم يقطع من مشوار عمرة سوي خطوات..
أما نحن الكبار فحماقاتنا هي حماقة من اشتد بصرة واكتمل تكوينه، فزاغت بصيرته وغفل عقله، وساء تخمينه، هي حماقة من إشتدت يمينه واكتملت قوته, فضاع منه هدفه وما أصابت رميته، هي حماقة من كذب بالفؤاد ما رأي، حماقة من نطق عن الهوى، ومن زاغ منه البصر فطغى ... 
وانظر في أفعالنا نحن الكبار وانظر في فعال الصغار, واخلص لله المقال.. من فينا الأحمق ؟؟ 
الأحمق هو من غفل عن تقدم العمر، ونسي أن الله صاحب الأمر، وملك الموت ينتظر القرار، ومانحن إلا مغادرين علي قائمة الإنتظار ..
" وماأبريء نفسي " فأنا أشهد الله أنني أول الحمقي الكبار، وأنني فقير من كل شيء، إلا الرجاء في رحمة الغفار ..



الإبتساماتإخفاء