د. محمد غاني - الركوب على الحواس




 الركوب على الحواس
د. محمد غاني 
كاتب – المغرب

لا يختلف اثنان على أن الانسان في تركيبته الجسدية يشبه الآلة الميكانيكية التي تحتوي على مجموعة من التطبيقات التي تشتغل في نفس الآن من أجل تحقيق أهداف معينة خلق من أجلها.
للأسف قليل من الناس في هذا العالم فقط من يتفطن بشكل أدق بمدى قوة إمكانياتهم و يعي ضرورة استخدامها أحسن استخدام حتى لا يعيش حياة البهائم و الأنعام، فما يفرق هاته الأخيرة عن الانسان هو هاته النقطة بالضبط التي نروم توضيحها في هاته الورقة، و هي تفاوت استخدامات الحواس لدى الانسان باختلاف درجات ادراكه لهاته المسألة.
لنوضح الأمر أكثر نقول إن الانسان حين يستيقظ تكون حواسه الخمس مشتغلة بل و حتى خلال مرحلة نومه فإن بعض حواسه تعمل، بل يختلط الحلم لديه حين يكون نائما وسط الضجيج، فيتداخل لديه الحقيقة بالخيال حين استيقاظه، وحيث يسمع مثلا نفس الموسيقى التي تروج في البيت، هي عينها التي كان يغنيها في الحلم و ذلك لأن عقله الباطن أدخل المعلومات التي تدور بالقرب حيث يتواجد جسده داخل أحداث الحلم.
اذا كان الأمر كذلك، و من خلال ملاحظة دقيقة للفروق بين استغلال الحواس بين الناجحين من بني آدم و غيرهم من الفاشلين، يتبدى جليا أن نسبة النجاح عند الأولين ترتفع بمقدار حسن استغلالهم لحواسهم.
يستيقظ أحدنا في الصباح، فيجد نفسه يسمع و يبصر ويشم الى غير ذلك من الميكانيزمات التي خلقت لا لشيء الا لتحقيق أهدافنا، فتجدنا غافلين عن هاته الإمكانيات الهائلة التي لا نقدرها حق قدرها، فنبكي على أنفسنا قلة حيلتنا و قصر طول اليد، في حين أن الحق يعدنا بأن الرزق هو قد ضمنه، فكيف الخروج من هذا التناقض الموهوم.
يسكن الانسان ليس حواسا خمسا فقط، بل ما لا يحصى من الميكانيزمات المشابهة التي تساعده على قراءة الكون المنظور، بل قل إن الوجود الإنساني وجودات متعددة ومراتب بعضها أعلى من بعض، هي مراتب وعيه و مقامات ايمانه فإحسانه، وهي سماواته المعرفية السبع التي ان تجاوزها عرف نفسه ومن ثم تحقق من شهود ربه في تجلياته التي يمثل الانسان خير مثال عليها ، وقد بدأ العلم الحديث مؤخرا ينتبه الى هاته الحقيقة شيئا فشيئا، حيث بدأ يفرق بين كيانات متعددة داخل الجسد الإنساني، فهذا الكيان العاطفي وذاك الكيان النفسي وذلك الكيان العقدي و آخر هو الكيان العقلي ....وهكذا، ولذلك أقر ألكسيس كارليل بأن الحقيقة الإنسانية لا زالت مبهمة الى يوم الناس هذا في كتابه "الانسان ذلك المجهول".
يختفي وراء الحواس أجهزة أدق وأهم هي التي تقوم بقراءة تشفيرات ما ترسله الحواس من معلومات من أجل شيء أهم هو اتخاذ القرار، هذا الهدف الأهم هو الذي لا نلقي له بالا، وهو المراد من الخلق فكل ما تقوم به الحواس وما يكمن خلفها من ميكانيزمات يأتي كله في سياق خدمة سيد الآلة الذي يركبها من أجل تحقيق أهدافه و هو الدماغ.
تشتغل الكيانات الداخلية للإنسان متحدة على وجهين من أجل خدمة ما يتخده الدماغ من قرارات سواء كانت ذات أو غير ذي أهمية، يشتغل من وجه على قراءة تشفيرات الحواس في مرحة أولة و من وجه آخر يستجيب لقرارات العقل من أجل تنفيذها عبر أفعال في مرحلة ثانية.
تختلف الحضارات اليوم قوة و ضعفا بمقدار وعي أفرادها بمثل هاته الحقائق، بل لا ينفرد الانسان عن الدواب الا بهاته المسألة في أدنى مراتب الذكاء و كلما ارتقى في الوعي بهاته المسألة الا وزاد تحضره ونما رقيه و ازدهرا طريقة عيشه، وما على الانسان الذي وجد نفسه يعيش وسط بيئة متخلفة الا اختيار دروبه الثقافية حتى لا يستنشق الا النقي من الهواء الثقافي و لا يمشي الا على المزهر من الأراضي الفكرية ولا يبصر الا العالي من الكتابات العلمية و لا يكتب بأنامله الا البديع من المعاني و بالتالى لا ينتج عنه الا الحذق من الأفعال، و بهذا تعمر الأرض، وعمارة الأرض عين العبادة و ما الشرائع الا بنزين المحبة لتحقيق تلك الغاية.