أسامة بوعناني - يوم الصلاة



 يوم الصلاة (قصة قصيرة)


بقلم: أسامة بوعناني


















كان صباحا ربيعيا منعشا .. خرجت باكرا في فرح رفقة عمي ووالدتي .. مرتديا "جابادورا" أبيضا ناصعا و"طربوشا" مخزنيا أحمرا .. كنت فرحا للغاية فقد أخبرني عمي بأننا سنذهب لنصلي في أحد المساجد .. وصلنا إلى وجهتنا .. بناية كبيرة وشاسعة .. تبدو كمكعب ضخم صبغ بالأزرق والأبيض .. كان شكله غريبا .. فكل المساجد التي رأيتها في الصور أو التلفاز أو مررت بجانبها وأنا برفقة والداي ترتفع منها بنايات طويلة .. أخبرني والدي يوما أنها تسمى صومعات.. لها أبواب مقوسة ومزينة بزخرفات بديعة .. لكن هذه البناية مختلفة لم تكن هناك صومعات ولا أي زخرفات .. تعجبت في بادئ الأمر إلا أنني سرعان ما تناسيت ذلك حين أخبرني عمي بأنه مسجد من نوع آخر .. ظللت ألعب وأركض في حديقة داخل هذه البناية .. أركض حافي القدمين .. فالركض بـ"البلغة" الصفراء صعب وقد أقع وتتسخ ثيابي التقليدية التي انتظرت هذا اليوم ببالغ الصبر لارتدائها .. سمعت عمي يطلب من أمي أن تنتظر قليلا حتى يبحث عن "الحجام" ويسجلني في اللائحة .. سألت أمي عن هذا "الحجام" ومن يكون ولماذا يبحث عنه عمي وأي لائحة تلك .. كنت رغم صغر سني فضوليا وملحاحا وإن سمعت شيئا غير مؤلوف لن أرضى أن يمر هكذا دون تفسير .. أخبرتني أمي أن الحجام هو صديق الإمام وهو من سيأخذني إليه لكي نصلي ولكن علي أن أكف عن الركض واللعب حتى يسجلني أولا في لائحة الأطفال الذين سيقابلون الإمام .. قاومت رغبتي في اللهو وجلست بأدب قرب أمي على أحد المقاعد الخشبية .. فرغبتي في تلك "الصلاة" كانت قوية وهزمت شقاوتي وحبي للعب والركض .. لم يطل غيب عمي دقائق حتى عاد إلينا يحمل ورقة كتب عليها عدة أرقام .. أخبرنا بأن الحجام غير توفر الآن ولكنه أخذ رقم هاتفه وحدد معه موعدا ليحضر إلى منزل جدي بالغد .. سألت عمي عن موعد الصلاة فأخبرني بأنه يتوجب علينا تأجيلها إلى الغد فالإمام مشغول الآن .. وسيأتي الحجام لزيارتنا غدا في المنزل من أجل صلاة خاصة .. هذا إن ظللت مؤدبا وامتنعت عن شقاوتي المعهودة ..

خاب ظني في بادئ الأمر فقد انتظرت طويلا حضور الإمام .. لكن نبأ الزيارة الخاصة كان أقوى من هذه الخيبة وأعادني إلى سرور الصباح وأكثر .. مرت تلك الليلة طويلة وتعذرعلي النوم من شدة تحمسي للزيارة الخاصة .. وفي صباح اليوم التالي استقيظت متأخرا قليلا على غير عادتي وعلامات الإعياء بادية علي لكنها لم تمنعني من الركض بحثا عن أمي وسؤالها عن موعد حضور الحجام .. أمرتني بتناول فطوري أولا ثم أنتظر في الصالة في هدوء حتى يأتي الحجام .. شغلت أمي التلفاز وضبطته على القناة الثانية فقد حان موعد الرسوم المتحركة المفضلة لدي .. كان منزل جدي يدب بحركة غير عادية .. أمي وعماتي يلبسن لباسا تقليديا لم أعتد رؤيته إلا في الأعياد .. وجدتي ما تفتئ كل قليل  تأتي لتضمني في فرح وتقبلني في رأسي مكررة تلك الجملة التي تختمها بزغرودة مدوية "سعدي بولد ولدي كبر وهادا نهارو" .. لم أفهم شيئا من كلام جدتي ولم أعره اهتماما فانتباهي كله مشدود  للرسوم المتحركة المعروضة على شاشة التلفاز .. وكم تنقطع حواسي الخمس عندما تعرض هذه الرسوم .. فعلى قدر شقاوتي وحركتي الدائمة والمزعجة أحيانا .. تنقلب فجأة سكونا تتعجب له أمي كأنني مسحور بتلك الشاشة ورسومها فلا أبارح مكاني إلا حين انتهائها .. وكم سبب لي ذلك السكون من عقاب احين تعرض البرامج مزامنة مع إحدى الوجبات فأرفض تناولها إلا أن تنتهي .. الشيء الذي ترفضه أمي بشدة .. فحين يتعلق الأمر بالأكل .. فلها نظام صارم الويل لمن يتجرأ على خرقه .. حين تهيئ السفرة على الكل أن يلتف حولها دون تأجيل أو تغيير لموضعه ..

وبعد برهة سمعت دوي زغرودات من عماتي وجدتي معلنين قدوم عمي رفقة الحجام .. سارعت أمي لإلباسي الجبدور الأبيض وأمرتني أن أنزع سروالي الداخلي وأتوجه لبهو المنزل .. لم أستفسرها عن هذا الطلب العجيب رغم ما مر في رأسي من تساؤلات عديدة .. فقد أنستني مداعبة النسيم العبار من نافذة الغرفة لأسفل بطني .. وذلك الإحساس المنعش الذي أستشعره كلما ذهبت رفقة أبي للحمام "البلدي" .. لم يخرجني من نشوتي سوى ذلك الشيء الغريب الذي لاحظته أثناء خروجي من الصالة .. شيئ مريب أثار انتباهي .. وقد كنت لاحقا على حق في ذلك الارتياب ..  كان أحد الكراسي البلاستيكية الكبيرة في موضع غير محله في وسط "الصالون" الكبير .. الشيء الذي غالبا ما ترفضه جدتي وتنهرع الجميع عنه .. وأكثر ما أثار استغرابي أن طلب مني عمي الذهاب والجلوس على ذلك الكرسي .. "الصالون" .. تلك الغرف التي تكاد تكون مقدسة في منزل جدتي ويحرم علينا اللعب بجوارها فكيف بي أجلس فوق الكرسي البلاستيكي وبمنتصف "الصالون" .. تناسيت كل هذه الأمور فبالي كان منشغلا بأمور أخرى زادت من حدة ارتيابي .. كتلك الحقيبة الكبيرة التي يحملها الحجام والتي أخرج منها آلات حديدية لم يتبين لي منها سوى مقص حديدي كبير ذو رأس حادة .. ذلك المقص الملعون .. كنت أتسائل عن الغرض منه ومن تلك الآلات العديدة .. أليست هذه زيارة خاصة للصلاة ؟ علمت للاحقا دوره في هذه الزيارة ويا ليتني لم أعلم ..  لم أستوعب ما حدث فقد كان مفاجئ وسريعا .. اقترب مني عمي في غفلة وقيدني من الخلف بذراعيه حيث جعل قدماي مفتوحتان رافعا جبدوري الأبيض وكاشفا لأشياء لا يجب عليه كشفها خصوصا أمام عماتي وجدتي .. بل وأمام هذا الحجام الغريب .. اقترب مني هذا الأخير حاملا ذلك المقص وهو يسكب عليه قطرات من سائل أحمر كأنه دم فاتر .. كان موضوعا في قنينة زرقاء أخرجها أيضا من تلك الحقيبة الملعونة .. ابتسم إلي بلامح غريبة لن أنساها أبدا .. كأنه يتشفى فهو يعلم ما سيحدث بعد ثوان .. تحولت دهشتي وارتيابي لخوف شديد ظهرت علاماته بادية علي .. اختلطت على الأمور .. بين الخوف والخجل .. فلم أعلم أعلي الصراخ خوفا من ذلك المقص أو البكاء خجلا من كشف "سري" على الملأ .. انتهى الحجام من سكب ذلك السائل ومسح المقص بقطن أبيض سلمته عمتي له .. علمت لاحقا أن تلك العملية تسمى تعقيما وأن ذلك السائل يقضي على الجاراثيم والميكروبات التي يمكن أن تعلق بالأدوات الحديدية .. صاح بي الحجام وهو يقرب المقص من الضحية .. "شوف أ عمو طوير" .. "شوف لفوق طوير" .. لم أستوعب كلامه من شدة خوفي .. فكان أن أعاده رفقة عمي "شوف أ أسامة لفوق واحد البرطال طاير في السقف" .. رفعت رأسي مندهشا كيف للبرطال أن يتواجد في "صالون" المنزل ولماذا علي أن أشاهد هذا العصفور ؟ .. وفجأة .. صوت طقطقة المقص أعقبه ألم لم أحس بشدة مثله قبلا ولا بعدا .. صرخت بأعلى صوت حتى كاد نفسي ينقطع .. زاد عمي من إحكام قبضته علي .. وتوالت زغاريد عماتي وجدتي .. أخدت أبكي بشدة وأبحث عن وجهي أمي .. وإذ هي تظهر أمامي وعيناها تدمعان .. كانت مختبأة في الصالة المجاورة فلم تقوى على مشاهدة المجزرة .. ما إن وقعت عيني علها حتى أخذت أصرخ وأطلب قدومها .. "ديني نتفرج في الرسوم راه قربو يتسالاو" .. لا أدري لم طلبت ذلك .. كل ما كنت أفكر فيه هو أن أعود للصالة لأكمل مشاهدة التلفاز .. كأن عقلي رفض أن يتذكر ما حدث للتو وكل ما يريده أن أعود للصالة كأن شيئا لم يكن .. قدمت أمي لتحملني بعد أن انتهى الحجام من تعذيبي كأني أسير يرفض الاعتراف بتهمه .. حملتني أمي برفق فما زلت أتألم كلما لامس الجبدور عصفوري الجريح .. اسمترت جدتي وعماتي بالزغاريد وترديد أغان لم أستوعب كلماتها من وقع الألم والصدمة .. وضعتني أمي بحذر في زاوية الغرفة المقابلة لشاشة التلفاز .. ثم شاهدت جدي أول مرة ذلك اليوم .. قبل رأسي وأعطاني مصحفا صغيرا وبعد النقود والحلويات وضعتها جميعا أسفل وسادتي البيضاء .. ثم توالت علي التهاني والهدايا .. لم أفهم سبب ذلك .. فأنا في ألم لا يعلمه أحد .. ألم دفعني لكره الحجام والمقص وعمي بل حتى تلك الصلاة الخاصة التي جعلتني أعاني كل هذا .. ظل الناس يتوافدون لتهنأتي وتقديم الهدايا لي .. لم أدر سبب فرحهم فأنا أتلم ولم أظن يوما أن الألم قد يكون مصدر سعادة لأحد .. كان كل همي أن يبتعد الجميع من أمامي حتى أتابع رسومي المتحركة .. وعقلي ما زال يرفض التفكير فيما حصل أو الغاية من ورائه .. إلى أن قدم عمي مهنئا وتعلو وجهه ابتسامة أحسست كأنها تقول "درتها بك أولد خويا" .. قبلني على رأسي ومد لي بعد النقود ثم خاطبني "أسامة مبروك الختانة" ..






الإبتساماتإخفاء