فريد الخمال - الموعد




 الموعد 

 فريد الخمال - المغرب 



على عتبة منزل الجيران يجلس فريد وسفيان، يتبادلان أطراف الحديث، كلام من هنا وهناك، وفرح يغمرهم، يتحدثان في كل شيء، ولا يعرفان أي شيء، بعيدون عن الحياة ومشاكلها، الفصل فصل الصيف، واليوم يوم عطلة، وفي الكُتاب الصيفي كان لقاءهما، ومن هناك بدأت صداقتهما، يمر الأب عليهم على غير عادته، مع ابتسامة علت محياهما، وقلق ملأ خواطرهم، مرت الساعات والدقائق، فبدأ اللون الأرجواني الممزوج بالأزرق يلطخ كل شيء، فتفرقوا إلى حال سبيلهم، على موعد مع الغد ...

في وقت تنفس الصبح، دحرجة من سطح المنزل لأسفله، وخفقان للقلب وتسارع لضرباته، وهزة رهيبة من أخمص قدميه حتى أحس أنها أوقفت شعيرات رأسه، فتح الباب وركض في اتجاه المجهول، توقف لهنيهة وحدد الوجهة، فلم يجد غير منزل خاله وجهة... قرع للباب بسرعة، ودق للجرس، ومناداة بأعلى الصوت، ، وهلع يتملك الجميع، يستيقظ المنزل برمته، طرقات على الباب مع صوت مذعور، من يقرع الباب بهاته الطريقة !! لا أحد يعرف ما حدث؟ أم ماذا وقع؟ ينتفض الخال وأولاده من مضاجعهم، متوجهين نحو الباب، حالته دالة على كل شيء، كل عضلاته ترتجف، كما ترتجف كل ورقة في شجرة هبت عليها رياح الخريف، ووجه شاحب، اختفت منه البسمة، مطرقا إلى الأرض وقد اغرورقت عيناه بالدموع وعلقت كلماته، ثم ارتمى في حضن خاله مجهشا بالبكاء، انفجر الحزن، وزلزلت الصدمة زلزالها، وأرعد في المنزل صوت النحيب ...

الساعة الثامنة والنصف صباحا؛ ومناد يناد ويدق الجرس، ترد الأم وتخبره بأن ولدها لازال في عالم الأموات الأصغر، يستيقظ متأخرا، وتخبره بمجيء صديقه في وقت مبكر على غير المعهود، يخرج من المنزل باتجاه بيته، يقطنان في حي واحد تقريبا، أفكار من هنا وهناك، ويتساءل في نفسه ما الدافع الذي سيأتي بصديقه مبكرا، يلمحه وسيماء الحزن والألم علا وجهه الشاحب...

يتوجه نحوه والدمع يملاء مقلتيه، وعيناه المبللتان تعبران عن الحزن الدفين في صدره، يحس وكأن الدنيا تدور، يسرع في اتجاهه، ويقف مذهولا مشدوها، شده والأسى يقطر من نبراته الحزينة: لنتحرك من هنا، أُفضل المشي لعلي أجد منه راحة ...

شعر بقلبه يثب إلى عينيه ويسيل دموعا كحبات الجمان، رقراقة على خده الصغير، لازال لحد الآن لم يستوعب ما حصل، وهل ما وقع حقيقة، أسئلة كثيرة تدور في رأسه، وكل سؤال تتصدع له الجبال الرواسي، يجاوره فريد وهو منصدم مثله، هل من شارح يشرح ما حدث، أم هل من موقظ يوقظ من هذا الكابوس !! ويفتحوا أعينهم على صبح مشرق والفرح يعلو وجوههم، استغرقوا في المشي؛ فهو المتنفس الوحيد للتخفيف من بعض الضغوطات، وابتعدوا كثيرا عن المنزل، لم يرهقهم التعب، وإنما وجب عليهم الرجوع كي لا يكون الألم آلاما، وينشغل بال أهلهم عنهم...

استغرقنا في المشي ولم أخبرك ياصديقي بما حصل ! لقد مات أبي ... توقع فريد أن يسمع كل شيء إلا خبرا صادما كهذا، فانهارت كل القصص التي نسجت، كان لهذه الكلمات المعدودة وقع الصاعقة عليه، واجما مرتعد الأوصال في مكانه، في محاولة منه لعدم تصديق ما قاله صديقه، بالأمس رأيته فكيف يموت اليوم !! وهل الموت قريب إلى هذه الدرجة !!

استيقظت على صراخ أمي و بكائها، وهي تطلب مني أن أصعد إلى سطح المنزل، فأنا الابن الأكبر لإخوتي، رغم صِغر سني، لأرى مشهدا ليس كباقي مشاهد الحياة، بل كيف للحياة لها أن تذيقنا مرارتها ونحن لم نعلم بعد ماهي، سمعنا سابقا عن الموت، ولكننا لم نره من قريب ولا من بعيد يدخل دارنا، بالأمس عندما رأيناه وهو خارج من المنزل، كان ذاهبا ليشتري حبلا، منذ زمن طويل _كما تعرف يا صديقي_ وهو تحت مراقبة أمي، ومراقبتنا جميعا، بعد الحادثة التي كانت وقعت له، لم نفارقه للحظة، حتى استبشرت أمي خيرا بالأمس و ظنت أن حالته قد تحسنت، فسمحت له بالخروج... فغادرنا من غير وداع ...

لم أسمح لإخوتي بالصعود إلى سطح المنزل ليروا ذلك المنظر، يكفي اني رأيته وحفر في ذاكرتي ذاك المشهد، هم لازالو لحد الآن لم يستوعبوا ما حدث، صامتين في ركن المنزل، والدار في اضطراب، وتعج بالمعزين، والحزن بادٍ على الجميع، وكلهم يذكره بكرمه وطيبوبيته، حاصرنا الحزن و الهم مبكرا، وقذفتنا رياح اليأس إلى دهاليز مجهولة.






الإبتساماتإخفاء