قدري الراعي - ترامب ومحددات السياسة الكلاسيكية للبيت الأبيض



ترامب .. ومحددات السياسة الكلاسيكية للبيت الأبيض

بقلم: قدري الراعي


      " دونالد ترامب " رجل الأعمال الثري , والرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة الأمريكية يُعد الشخصية العالمية الأكثر جدلًا هذه الأيام ؛ فقد سرق الأضواء , وشغل اهتمام الرأي العام العالمي , وأرهفت الكرة الأرضية أسماعها إليه , وتباينت ردود أفعال دول العالم : حكوماتٍ وشعوبًا حيال تصريحاته المتوالية , المسترسل منها والمقتضب , والتي تتسم بالغباء السياسي , وفساد العقل , والفاشيَّة العنصرية , والتعصب القومي , ومناهضة الإسلام , والرفض الأعمى لقبول الآخر , والترويج لأفكارٍ مهترئة بخصوص تأكيد الهوية الأمريكية , ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس , وتقنين قوانين الهجرة إلى سيدة الكرة الأرضية .. أمريكا .!

      والحق للإنصاف : فقد كان الكاوبوي الأمريكي – دونالد ترامب – من قبل وصوله إلى البيت الأبيض ذا كاريزما خاصة شكَّلت ملامحها جملةٌ من العوامل , لعل أبرزها : ثراؤه الفاحش , وعلاقاته النسائية المتعددة , واقتحامه عالم المشاهير من الساسة ورجال الأعمال والرياضيين , وشغفه بالظهور الإعلامي الذي دفع به إلى تقديم البرنامج الشهير" ذي أبرنتيس " من خلال تليفزيون الواقع على مدار اثني عشر عامًا , كان يقوم فيه بإجراء مقابلات مع الراغبين في الالتحاق بوظيفة داخل شركاته العملاقة , وقد أكسبه ذلك البرنامج الجماهيري شعبية واضحة , وعرفه الأمريكيون بجملته الشهيرة : " أنت مطرود " , وهي ذات الجملة التي قالها في أعقاب فوزه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة , ردًا على سؤال أحدهم له  : ماذا تقول لأوباما ؟!

      ومن البديهيات في معترك السياسة العالمية أن لا قواعد ثابتة تحكم اللعبة , وأن إظهار أوراق اللعبة كاملة أمام العِيان دليلٌ على إبهامها , وأنه ليس كل ما يُقال يدخل إلى حيِّز التنفيذ, وأن اليد الممتدة بالسلام ليست دليلًا على إرادة السلام , وأن التصريحات العنترية الفاشيَّة لا تقوم مقام الدليل القطعي على توجهات مستقبلية محددة ..!!

فعلى مدار الفترة ( 1980-1988م) التي شهدت حربًا حامية الوطيس بين العراق وإيران , وأسفرت عن مقتل أكثر من مليون نفسٍ من طرفي الصراع , وخلَّفت خسائر فادحة باقتصاد الدولتين قدمت الدول الكبرى ( أمريكا وبريطانيا وفرنسا ) لصدَّام حسين دعمًا لوجستيًا وعسكريًا بالغ الأثر, وإمداداتٍ متوالية بالأسلحة والذخائر , في الوقت الذي كانت تخرج فيه  حكومات تلك الدول أمام كاميرات الإعلام , ووكالات الأنباء العالمية تشتم وتسبُّ صدام حسين , وتنادي إلى ضرورة حظر بيع الأسلحة لطرفي الصراع ..!!
وفي يوم 19 مارس 2003 وقف " جورج بوش الابن " أمام كاميرات العالم راسمًا بسمة عريضة على وجهه ؛ ليزفَّ البشارة للشعب الأمريكي باعتزام حكومته وجنرالاته - ومعهم أكثر من 35 دولة مباركين ومؤيدين – البدء في إعلان الحرب على العراق قائلًا في صفاقة : " أيها المواطنون : بدأت القوات الأمريكية وقوات التحالف في هذه الساعة المراحل الأولية للعمليات العسكرية لنزع أسلحة العراق , ولتحرير شعبه , ولحماية العالم من خطرٍ قاتم مُحدِّق . " وكنا نعلم أنه يكذب , وأن قصة أسلحة الدمار الشامل الموجودة بالعراق أكذوبة مفبركة , وأن حربه على صدَّام تحت ذريعة إنقاذ الشعب العراقي الجريح لم تكن سوى تمثيلية هزلية , يريد ليوث البيت الأبيض المسعورون من ورائها الاستحواذ على الكعكة العراقية , واستلاب حقول النفط , وخلخلة الأمن في المنطقة العربية , واستزراع حكوماتٍ عميلة وموالية لأمريكا ..!! فألف باء في أبجديات السياسة العالمية هي أن لا قواعد ثابتة تحكم اللعبة كما قلنا !!

      المراقبون لمستجدات الأحداث الواقعة حاليًا داخل أمريكا وتداعيات ذلك على المجتمع الدولي في حالة من الارتباك والحيرة المشوبين بالترقب ومحاولات استشراف عروض كواليس السياسة الأمريكية الجديدة حيال قضايا الغرب والشرق الأوسط . إنهم يتساءلون عما وراء ذلك القادم الجديد إلى أروقة البيت الأبيض .. ما في جعبته ؟ وما ملامح سياسته الجديدة ؟ وما توجهاته إزاء القضايا العالمية ؟ وما المخبوء في رأسه ؟ وهل حقًا سينفذ ما أعلنه من تصريحاتٍ قبل فوزه بمنصب الرئاسة الأمريكية ؟!!
البعض يبارك تصريحاته فيما يتعلق بضرورة حظر سفر المسلمين إلى أمريكا بشكلٍ مؤقت , وما قاله نصًا : " إن المسلمين لن يدخلوا أمريكا إذا توليتُ الرئاسة " , وما صرّح به من ضرورة بناء جدار عازل مع المكسيك لمنع تدفق اللاتينيين الموصومين بقضايا الاغتصاب والعنف والاتجار بالمخدرات , وما أشار إليه بقوله إن الاتفاق النووي وتسهيلات إدارة أوباما سمحت بضخ ملايين الدولارات إلى إيران التي ترسلها إلى تنظيماتٍ إرهابيةٍ , الأمر الذي يستوجب معه فرض عقوباتٍ على إيران في المستقبل , ويرى ذلك الفريق المؤيد لتصريحات ترامب أن ذلك مما يصبُّ في مصلحة الأمن القومي الأمريكي , بينما يشكك الآخرون في قدرة الكاوبوي الأمريكي الجديد , ويرون أنه لا يملك أدنى فكرة عن كيفية قيادة دولة عظمى , الأمر الذي دفع بصحيفة الحزب الشيوعي – إحدى الصحف الصادرة في الصين – أن تكتب عنه في مقالةٍ افتتاحيةٍ تقول فيها : " ترامب لا يتصرف كرئيس سيصبح في البيت الأبيض بعد بضعة شهور " على خلفية اعتراض الصين على قيامه بخرق البروتوكول السياسي التي تتبناه أمريكا منذ عام 1979م مع ( تايبيه ) المعروفة باسم تايوان , والمنشقة عن بر الصين الرئيسي منذ 1949م , وقبوله الرد على محادثة هاتفية مع رئيسة تايوان , كما قامت جماعات من سكان مدينة " جواتيمالا " من أمريكا الوسطى على حدود المكسيك أثناء قيامها باحتفالٍ تقليدي سنوي قبيل عيد الميلاد يحمل اسم ( حرق الشيطان ) بإضرام النار في دمى ورقية على هيأة " ترامب", وقد جعلوا فوق رأسه قرني شيطان , وذلك إعرابًا منهم عن رفضهم التام لمواقفه المتشددة وتصريحاته العنصرية 
      
      والواقع أن الرئيس الأمريكي المنتخب حديثًا قد غيَّر نوعًا ما في لهجته الحادة التي استخدمها من قبل عند حديثه عن قضايا الهجرة ومنع دخول المسلمين إلى أمريكا , وبدا مؤخرًا أكثر مرونة واستيعابًا لأوراق اللعبة ؛ ففي خطابٍ له بولاية ( أوهايو ) شدَّد على ضرورة التعاون مع الدول العربية وحلف الأطلسي للقضاء على الإرهاب , ودعا إلى عقد مؤتمر دولي للتباحث في آليات القضاء على ما أسماه بــ " الإسلام الراديكالي " , كما اتهم النظام الإيراني بالتورط الفاضح في تدريب وتنظيم الخلايا الإرهابية في العراق وسوريا ولبنان واليمن , واختفت نبرة التعالي المناهضة للإسلام والمسلمين , والتزم بضبط النفس فخرجت كلماته أكثر عقلانية من ذي قبل , وبدا واضحًا هذه المرة قبوله لفكرة الهجرة شريطة التأكد من قبول الوافدين إلى أمريكا بالقيم الأمريكية والدستور الأمريكي ..!!

      ومع ذلك لا يمكن بناء تصورات قائمة على تصريحات تم إطلاقها في أجواء المنافسة الانتخابية عن الملامح الحقيقية للسياسة الأمريكية التي ستتبناها إدارة البيت الأبيض الجديدة , ولا ينبغي للعرب أنفسهم الركون إلى تصريحاتٍ تخرج من العرين الأمريكي , أو تبني توجهاتٍ مسبقة أو رؤى مبنية على تراتيل البيت الأبيض وزئير أسده الجديد ..!!

      إن سجلات معاملاتنا مع الغرب عموما وأمريكا بوجه خاص تؤكد على أن السياسة سيركٌ كبير , تنام فيه القيم , وتأخذ الأخلاق منه إجازة مفتوحة , ويرحل عنه الضمير حاملًا تأشيرة خروجٍ بلا عودة , لا يبقى في السيرك غير حواته , ومهرجيه , واللاعبين بالبيضة والحجر , والنهَّازين , ومصاصي الدماء , والآكلين من كل الموائد , وبائعي الهوى والخواء ..!!
إنه من الصعب أن نرى اثنين يرقدان في تابوتٍ واحد – على حد زعم تشرشل أحد أبرز الساسة البريطانيين - قانونهم الأقدس هو المصلحة , فلا صوت يعلو فوق صوت المصلحة , دستورهم هو الكذب ومهاراتهم هي : التلون , والحيلة , والمراوغة , والنفاق , وبضاعتهم هي الكلام , والكلام ليس له ثمن , والوعود آلهة من العجوة إذا جاعوا أكلوها ..!! 

      ومهما يكن من أمرٍ فمحددات السياسة الأمريكية الكلاسيكية الثابتة والمعروفة للعالمين حيال قضايا المجتمع الدولي بوجه عام , وقضايا الشرق الأوسط بوجهٍ خاص لن يستطيع " دونالد ترامب " ولا غيره ممن سيأتي بعده – فيما يبدو لي – الخروج عن مساراتها , وستبقى قضايا : الأمن القومي الأمريكي , وحماية أمن إسرائيل , والتصدي لانتشار أسلحة الدمار الشامل تأكيدًا للسيطرة الأمريكية وحفاظًا على الكيان الإسرائيلي , وملاحقة النفط في المنطقة العربية هي القضايا الأكثر أهمية وسخونة في مطابخ السياسة الأمريكية ..!! 

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء