عبدالرحمن داخلي - السعادة الحقيقة في وجود من ترتاح له قلوبنا بالجوار



السعادة الحقيقة في وجود من ترتاح له قلوبنا بالجوار

عبدالرحمن داخلي

تقاس السعادة في حياتنا الحالية والباقية وفقًا لأشياء عديدة ترتبط ارتباطا كليًا على حسب اختياراتنا وإختيار من نبقيهم بجوارنا (روحيًا وماديًا)؛ فهناك أُناس وجودهم بجوارنا يمنحنا كل شيء ولا نحتاج إلى أن نتهرب من شخصيتنا أو نتعرض للحرج من أي شيء بل علينا أن نكون أنفسنا، وهم يساعدوننا في إظهار أفضل ما فينا، ونجد معهم راحة واستقرار ومعاملة تدفئ برد الخجل وتفك قيود الرتابة وتشعل حميمية التواصل وجوهر الحياة؛ هذا ليس كلامًا مجازيًا بل هو حقيقة نحتاج إلى أن نُصارح أنفسنا بها، فمهما كنا ومهما وصلنا إليه من إنجازات ومهما صرنا نملك فلن نستطيع العيش بدون الأخرين.
الحياة مشاركة، ولكن تبقى المشكلة  في اختيار من نشارك، ومن نشاطره وقتنا وفرحتنا ونجاحنا. 
الوصول لمرحلة الرضى عن كل شيء هي مرحلة هائلة وعظيمة، ولكن نصل إليها بيننا وبين أنفسنا روحيًا ويظل تطبيقها على الواقع أمر هائل الصعوبة مع الاحتكاك المباشر بالأخرين المجاورين والمحاوطين بك من كل النواحي.

ووجود من ترتاح له قلوبنا بينهم بالجوار هو رزق كبير يقدره من يبحث عنه، ويجحد به من أطفأت المصلحة برائته وأفسدت حقيقته فأصبح لا يرى أحدًا إلا نفسه ولا يشغله شيء غير تحقيق مراده على حساب راحة الجميع، وهذا في الحقيقة مسكين؛ فبعد مرور الوقت لن يبقى معه غير من هم على شاكلته وسيمثل لهم أيضا (مصلحة) معينة وبعدها سيبقى وحيدًا مع مصالحه التي كانت مراده طوال عمره، وهذا لا يختلف كثيرًا عن الآخرين الذين بوجودهم تحتل عدم الراحة قلوبنا ونصل لمرحلة عميقة من البؤس لا نستطيع الخروج منها إلا بعد أن يغادرونا أو نغادرهم.
ووجود هؤلاء الآخرين هو ابتلاء علينا أن نصبر عليه حتى يبدلنا الله بما نرتاح معه.
لا أحد يستطيع العيش وحيدًا، ووجود الأخرين في حياتنا أمر لا غنى عنه ولكن لن تجد الجميع يتمنون لك الخير كما تفعل أنت، فهناك الكثير منهم يخفون بين ثناياهم كم هائل من الحقد والكراهية تجاهك، ولكن ببراعة يتصنعون ابتسامات ومجاملات زائفة ظانين أنك لن تعرف أبدًا ما بداخلهم ولكن بروحك النقية ببساطة.
تستطيع أن تميز الروح الخبيثة من بين ألف روح، هكذا نعلمهم ونحاول التملص منهم. لا أدري كيف يتحملون هذا الكم من الحقد والغل بداخلهم؟! كيف تتحمل نفسك وأنت مفضوح أمامها بهذا الكم من النفاق؟! كيف تتحمل  نفسك مع كم الأذى الذي تنشره بين الناس؟! 
إذا تحدثوا أمامنا كانت الفضيلة موضوعهم والمسبحة لا تفارق  أيديهم كأنها جزءً منها، ممثلون فاشلون، ولكن لا أحد من الجمهور يريد مصارحتهم بحقيقتهم مما يجعلهم يستمرون حتى يصدقوا بأن الجميع معجب بأدائهم. هل السر في المسبحة؟ وكأنها تفرز مادة تساعد على عدم شم رائحة روحهم القذرة مثل هؤلاء كلما ساءت الظروف وجمعتنا لا أراهم إلا عرايا مجردين من كل شيء يمت للإنسانية بصلة، لا أرى غير تلك النقطة السوداء محل قلبهم ورائحتهم النتنة. هذه ليست مبالغة على الإطلاق بل هو واقع علينا فقط أن نظهره ولا نخفيه، علينا ألا نحكم على الناس من أفعالهم فقط بل الكثير من أصحاب الروح النقية لا يجيدون إظهار ما بداخلهم ويتعثرون دائمًا والناس لا يعجبهم مثل هؤلاء بل يتأثرون بأصحاب المسبحة والمتنمقون وأصحاب الألسنة "الحلوة" الزائفون.
ولكن لا أتخيل أنكم تودون أن تكون حياتكم زائفة أيضًا بل تريدون تحقيق شيء في هذه الحياة، تريدون ألا تمر حياتكم هباء بدون إحداث فارق، تريدون أن تكتشفوا ذلك الشيء الذي لا يملكه أحد غيركم، تريدون الأفضل لأنفسكم وللجميع. كل هذا يشاركنا فيه من نختاره لكي يكون بجوارنا . 
الطريق طويل ومليء بالعثرات ويبقى السر في اختيار من يساعدنا في تكملة ذلك الطريق بسعادة؛ السعادة مراحل أسعدها تلك اللحظات التي نراها في عيون أحبتنا، ومجاورينا في أصعب الأوقات، وأحلك الظروف. تلك النظرات التي تمدنا بطاقة قوية تجعلنا نتيقن فعليًا عبارة كل شيء سيكن على ما يرام، لحظات سعادة ليس بعدها سعادة نسرقها في تلك الظروف القاهرة، تلك هي أسعد اللحظات وهؤلاء هم مشاركينا.


الإبتساماتإخفاء