بروميثيوس-دفع الثمن

دفع الثمن (قصة قصيرة)


بقلم/ بروميثيوس

في إحدى القرى داخل محافظة من محافظات مصر ، كانت "سلمى" تلك الفتاة البالغة من العمر 15 عاما تلعب وتمرح مع الأطفال ، لم يكن يخطر في بالها إنها قد كبرت وإنها أضحت ناضجة تلتفت لها الأعين لكي تصبح زوجة وأم ..

كانت تلعب وتجري بين كل زقاق وأخر ، فمن الجري والمرح إلى المسئولية المطلقة المتمثلة في كونها ستصبح زوجة ، وبالفعل تم تزويجها إلى "سيد" البالغ من العمر 50 عاما !!!

فقد كان رجلا ثريا ، لديه الكثير من الأموال ومنذ فترة طويلة توفت عنه زوجته ، ولم يرضَ أن يتزوج من بعدها لولا أن أقنعه بعض من أصدقائه بضرورة الزواج من أخرى حتى تنجب له من يرث تلك الثروة ..

وتم عقد القران وأصبحت "سلمى" في ليلة وضحاها زوجة في منزل "سيد بك" ، وهناك وجدت ترف العيش ، وما أبعدها عن الفقر والجوع الذي كانت تعانيه ، وبعد عدة أشهر بدأت بطنها في التكور معلنة بشرى سارة ألا وهي بشرى الحمل ، وفرح "سيد بك" بذلك ، متخيلا وصول ولي العهد الذي سيرث تلك الثروة ..

وبعد عدة أشهر وفي إحدى الليالي الباردة من ليالي الشتاء ، انطلقت صرحة "سلمى" معلنة بداية الولادة ، وفي سرعة الصاروخ ، حملها الجميع إلى المستشفى وهناك انجبت ابنتها التي كانت تشبهها وتشبه أباها .

وفي الخارج هنأ الطبيب "سيد بك" الذي نظر له بحنق وقال :

انجبت فتاة ، حسنا في المرة المقبلة ستنجب ذكرا .

نظر له الطبيب بحيرة وقال :

"سيد بك" ، هل تكره خلفة الإناث ؟

نظر له "سيد" ، ورد بحدة :

الأنثى كارثة على أي أسرة ، كما إنني لا أريد إنجاب الفتيات .

تنحنح الطبيب وقال بهدوء :

عذرا يا "سيد بك" ، إنك لا تستطيع سوى خلفة الإناث .

قبض "سيد" على ياقته ودفعه إلى الجدار وصاح في غضب :

ما الذي تفوهت به ؟ وماذا تقصد ؟

دفع الطبيب يده وعدل من هندامه ووضع نظارته الطبية وصاح :

الأمر بسيط ، زوجتك لن تستطيع سوى إنجاب تلك الفتاة ، لأننا انتزعنا عنها الرحم بسبب أضرار ألمت به .

حدق "سيد بك" في وجه الطبيب ، وأخذ يفكر فيما نقله إليه ، "سلمى" لن تستطيع إنجاب الذكور ، إذاً ولي العهد لن يحضر ، ولن يكون هناك وريثا ..

حسنا لا بأس ، بما إنه لا يوجد وريث من "سلمى" فلا داعي لوجود "سلمى" في حياته ، ولتحمل معها تلك الفتاة التي أنجبتها !!!

دار كل هذا في مخيلة "سيد" ، وعزم على تنفيذه وبالفعل تم الطلاق بين "سيد بك" وبين "سلمى" التي حملت ابنتها وانتقلت بها إلى قرية أخرى وهناك عملت "سلمى" حتى تعلم ابنتها وكل يوم تنظر لها وتقول بينها وبين نفسها :

انتِ أيتها الصغيرة السبب فيما أنا فيه ، لقد كنت انعم براحة البال ، ورغد العيش والآن ها أنا ذا أعيش على شدف الحياة .

كان الجيران دائما ما يشتكون من ضرب "سلمى" لابنتها التي حملت اسم "رغد" ، ومع مرور الأيام كبرت "رغد" أيضا ونضجت ، وأصبحت فتاة يافعة ، وتقدم العرسان لخطبتها ولكن والدتها لم توافق ابدا على الزواج .

وظلت الأيام تجري والعرسان يتقدمون .. الثري ، والعادي ، إلى أن تقدم "محمود" ؟؟؟

و"محمود" هذا هو فقير القرية بل أفقر فقرائها ولم يكد يصارح "سلمى" عن رغبته في الارتباط بـ "رغد" حتى وافقت على الفور ودون تردد .

وتساءل الناس عن السبب في كون الأم وافقت على زواج الابنة من أفقر شاب في القرية ؟!

البعض قال أن السبب هو زواج الأم من الغني والذي انتهى بحياة الكرب التي تعيشها الآن .

البعض الأخر وضع تخيلا جديدا ولكن الحقيقة إنها كانت تريد الانتقام !!!


كان "محمود" يحب "رغد" ويعشقها عشقا كبيرا لهذا لم يتوانَ في البحث عن المال لكي يستطيع الارتباط بها ، وهي أيضا كانت تبادله الحب لهذا أخذت تحمسه وتدفعه وتزيد من حماسه في العمل حتى استطاع أن يجهز المنزل ويأثثه ، وأن يكون مستعدا للزواج ، وذهب "محمود" لـ "سلمى" ليخبرها عن انتهائه من كل شيء واستعداده من الزواج من ابنتها في فترة وجيزة ..

وابتسمت "سلمى" معلنة الفرح ولكن في داخلها كانت تنبت خطة جديدة فقط لكي يكون انتقامها قويا ...

*********

" اين ابنتك يا سلمى ؟ "

انطلق السؤال من افواه أهل القرية وهم يقفون أمام منزل "سلمى" فخرجت لهم قائلة :

في الداخل ، لماذا تسألون ولماذا هذا التجمع ؟

خرج شيخ القرية ووقف سائلا :

أين كانت متواجدة فجر اليوم ؟

خرجت "رغد" ووقفت بجوار أمها التي سألت :

ماذا هناك أعلموني ماذا حدث ؟

تجمهر الناس أمام المنزل ، وصاح الشيخ في حدة :

ابنتك المصونة ، التي ستتزوج "محمود" أطيب شباب القرية ، كانت متواجدة فجر اليوم في الزرع مع شاب غريب ، وكانت في وضع مخلٍ ، لم نرَ وجهها ولكننا عرفناها من ثيابها .

وضعت "سلمى" يدها على فمها وشعرت بشعور غريب ولم تستطع أن تدير وجهها لابنتها التي صعقت من الكلام ولم تستطع أن ترد على هذا الإتهام الذي أصابها في كرامتها وشرفها ، وقطع الأمر وصول "محمود" الذي قال :

لقد كنت أحبك واحترمك ، ولكن بعد هذا الموقف الذي يسئ لكرامة أي رجل ، فأني أفسخ خطبتي لكِ .

وعلى أثره قال الشيخ :

وللعلم لقد اتفق أهل القرية على طرد تلك العاهرة ، خارج القرية ، وإن كنتِ تريدين مرافقتها يا سيدة "سلمى" هذا لكِ ولكن نصيحة ابعدي عن طريق تلك الفاسقة فإكراما لكِ سنكتفي بطردها ولن نرجمها .

حدقت فيهم "سلمى" صامتة بينما كانت "رغد" ممتقعة الوجه ولم تتفوه بكلمة واحدة وظلت تحدق في أهل القرية وهم يرحلون من أمام بابها وهم يسبونها ويلعنوها وحدقت مصدومة من موقف "محمود" الذي حتى لم يفكر في أن يتحدث معها وفي بطء استدارت لأمها قائلة :

لماذا فعلتِ هذا ؟

نظرت لها "سلمى" وردت بهدوء :

فعلت ماذا أيتها العاهرة ؟

صمتت "رغد" ، وأغمضت عينيها عند سماع الكلمة وقالت :

أنا اعلم يا أمي مَن ذهبت إلى الزرع هذا الفجر ؟، أنتِ يا أمي من ذهبت ، وانتِ من ارتدت ثيابي ، وانتِ من نمتِ مع هذا الشاب ، ولقد رأيتك وتابعتك ولم أشأ أن افضحك لكونك أمي ، ولقد دعوت الله كثيرا لكي يحنن قلبك عليَّ ولكنك مصرة على كرهي ولا أعلم لماذا ؟

ثم صرخت باكية :

لماذا تفعلين هذا بي ؟

نظرت لها أمها وردت ببرود :

لأنك السبب فيما أنا فيه ، انا اشقى بسببك ، فقدت القدرة على الحمل بسببك ، عدت فقيرة بسببك ، ماذا تتوقعين ؟أان أعيش محبة لكِ بعد كل هذا ، بل انتِ السبب في أي شقاء وتعاسة لي ، انتِ أيتها العاهرة .

صعقت "رغد" عند سماعها تلك الكلمات وتمتمت :

حسنا يا أمي ، سألبي لكِ رغبتك التي تتمنيها لي ، ولكن اعلمي شيئا واحدا .

نظرت لها أمها وتابعت هي في حدة :

إني لست مسامحة في شئ نهائيا ..

قالتها وهرعت إلى الداخل ولم تمض دقائق حتى انطلق الصريخ والعويل من المنزل وتجمهر الناس مرة أخرى أمام تلك الجثة المحترقة والتي شوهت من النار وجسلت أمامها "سلمى" وهي تنظر لها ببرود وفي داخلها تدوي جملة واحدة ..

" لست مسامحة في شيء نهائيا "

************

( هذه هي الحالة التي أمامنا )

قالها طبيب في منتصف الخمسينات لعدة شباب يقفون أمامه وتابع :

إنها حالة عجيبة ، توفت ابنتها منذ عشرة أعوام ، واهل القرية كانوا قد اتهموها بالعهر ، والفتاة انتحرت محترقة ومن وقتها تقول الأم ، إنها السبب وأن ابنتها لن تسمحها حتى فقدت عقلها وجلست في هذا الوضع أمامكم ، وحتى الآن لم يعرف أحد أين الحقيقة ؟

قال جملته الأخيرة ونظر الجميع إلى "سلمى" التي أصابها الجنون وأصبحت في حالة يرثى لها ولم يعرف أحد حتى الآن

مَنْ دفع الثمن ؟

( تمت )





الإبتساماتإخفاء