رباب حسين العجماوي - حلم أم حلم





 حلم أم حلم - قصة قصيرة

لـ/ رباب حسين العجماوي

تناثرت السحب على صفحة السماء لتضفي لمحة رومانسية على المشهد, وتطلعت فتاة في سن السابعة عشر إلى الفراشات وامتدت يدها في محاولة منها للإمساك بواحدة, تبعتها ضحكة من فتاة تقاربها العمر, تجلس على العشب مراقبةً الفتاة وهي تشرئب بعنقها وتقف على مشطي قدميها, وهي تدور حول نفسها في حركة جعلت شعرها الأسود الناعم الطويل ينفك من شريطته الحمراء وينتشر على ظهرها في انسيابية؛ وكأنها فتاة إعلانات. تُجسد تلك الفتاة بملامحها المصرية قمة الحيوية والطفولة معا بينما تداعب صديقتها العشب الأخضر جالسة بجوار الطعام مفكرةً في اللاشيء مجسدةً الرزانة, وكأنها من عالم آخر بملامحها الطفولية وجسدها الصغير وعقلها الواسع المفكر.

أختان أو أشبه بالأختين, إحداهما كبرى أخواتها والأخرى أصغر من بالبيت, سمعت الفتاة المرحة أختها الكبرى وهي تنادي عليها في اهتمام؛ لابد وأنها ساعة الإجابة, فهي لم تقدر سوى على ترك الفراشات والإستئذان من صديقتها ودخول المنزل. راقبتها الفتاة الرزينة بعينين واعيتين, وهي تدخل إلى المنزل, وكأنه مشهد يتكرر كل يوم, تحركت عيناها إلى العشب ثانيةً وتنهدت ثم تداعت الأفكار...

***

ظلت الفتاة مطرقةً برأسها غير أنها لم تكن ترى العشب بل كانت ترى نفسها وهي تسير في الطريق إلى المدرسة لتستمتع بدروسها التي طالما قرأتها قبل أن تبدأ فصلها الدراسي... مادة الأحياء وما تعنيه من تاريخ الطبيعة, إن الأمر جد شيق, اليوم ستدرس المحار؛ إنها تحبه كثيرا؛ لذا فهي تستمتع بكل ما يُدرس عنه, سارعت الخطى نحو فصلها, ليتها كانت عروس البحر لتحيا وسط الأمواج التي لا تهدأ في قاع تملؤه كائنات عجيبة وغريبة ومتنوعة.

كان يومُها عاديا أو هكذا أحست, وخرجت إلى الشارع لتعود إلى منزلها وانتظرت كالعادة عند الشجرة القديمة –قرب المدرسة- صديقتها المرحة, ولكنها ظلت تنتظرها نحو نصف ساعة, ولأول مرة خلفت موعدها ولم تأتِ, كيف هذا وهي جارتها, بل أختها؟ أنى لها أن تذهب؟! لا تدري. عصفها القلق برغم أنها محض أفكار تأتيها على العشب, ولم تأخذ ببالها القطة التي سارعت تمشي بجوارها. إنهما لا تفترقان أبدا, الشىء الوحيد الذي فرق بينهما نوعية الدراسة فدراستها علمية بينما دراسة صديقتها المرحة أدبية, ولم يفصلهما ليلا سوى حديقة المنزل, ترى ما الذي حدث؟ عصفها القلق ولكنها لم تبرح الشجرة, ولم تاخذ ببالها ذلك الشاب الواقف وراءها, إنه... إنه...

***

كاد القلق يدمر أعصابها حتى أنه عطل حاستي السمع والشم لديها, فلم تشعر بذلك الشاب وخطواته البطيئة, ولم تشتم رائحة عطره إلا حين إلتفاتها لتصطدم به جالسة على الأرض جراء قلقها وفجأتها معا, حاول أن يسندها إلا أن حركته جاءت بطيئة فسارع إليها وهي جالسة ليطمئن عليها, وما إن نزلت حزمة من أشعة الشمس على يده من بين الأوراق حتى تحول ذلك الجزء من يده إلى اللون البرتقالي ثم إلى الأزرق, ففتحت عينيها في سرعة ثم أسرعت لتضع يدها حاجزة بذلك أشعة الشمس عن يده -دون أن تلمسها- حتى عادت يده للونها الطبيعي.

نظرت ببطء إلى عينيه ثم سألته عن "سحر" صديقتها, جاء سؤالها بثقة ونفاذ صبر حتى لا تدع له فرصة للكذب, غير أنه راوغها قائلا:

من سحر هذه؟
صديقتي.. أين هي؟
بل عليك أن تسألي: أين أنتِ؟
ماذا؟
انتابها خوف حذر من الإجابة المتوقعة.

إنك على الأرض ولكنك في بُعد زمني آخر؛ فلا هذه الشجرة التي اعتدتي اصطحاب سحر منها إلى البيت ولا هو طريق البيت من الأساس.
من أنتَ؟ وماذا تفعل؟ ولمَ أنا هنا؟
سأجيبك على سؤال تلو الآخر... من أنا؟ أنا "فوجيكي ست" من بُعد آخر على كوكب الأرض, ماذا أفعل؟ أبحث عنك "سندور" حبيبتي, لم أنتَ هنا؟ ستعلمين بعد قليل.
إنني "روان" وأنا مصرية الأب والأم, ولست من تبحث عنها... إنك تبحث عن الشخص الخطأ.
لا. أنتِ لست الشخص الخطأ... بل إنك سندور ولكنك في البُعد الآخر تُدْعَيْن روان, إنني حبيبك فوجيكي.
ماذا؟ لمَ تُدعى فوجيكي؟ لا أرى سوى ملامح مصرية. ثم ما الذي حدث لـ سندور هذه؟ وكيف لك أن تأتي بي إلى عالم آخر دون إذن مني؟
إن الأمر بسيط؛ أنتِ روان التي ستقابل "يس" في عالمك, بينما في عالمي أنا سأقابل سندور, إننا مصريان ولكننا على بُعد آخر نختلف فيه عنكم في أمور طفيفة كموقع مصر على الخريطة, تغير بسيط في الحروف العربية... وهكذا.
لم تجب سؤالي؛ أين سندور؟
لقد فارقت الحياة منذ بضعة أيام.
فتح سترته السوداء ليخرج صورة سندور؛ كانت نسخة من روان إلا أنها تكبرها ببضع سنوات, فصرخت: - إنها تكبرني.

فأكمل: - بأربع سنوات فقط ... لقد تقابلنا منذ أربع سنوات تقريبا.

أجئت بي لتستبدلها بشخصي؟ كيف لك أن تقترف مثل هذه الجريمة؟ كيف لك ان تدخل بُعدا آخرَ دون رقيب؟!
إنه ليس استبدالا بل إنني أضع الأمور في نصابها. أنتِ لي... ثم إنني حارس "شق الحياة" الذي يجعلني أمر عبر البُعدين دون ضرر.
أهكذا تصون الأمانة؟! من قال إنني لك؟ أنا لست سندور بأي حال, وعلى كلٍ أعدني إلى أهلي وبيتي؛ أنا لا أنتمي إلى هنا, أنا لا أنتمي إليك.
فحدث فوجيكي نفسه: - كان ولابد أن أتركها لتقابل يس قبل أن آتي بها إلى هنا.

ثم إلتفت إليها قائلا: - أعدك أن أعود بك إلى بُعدِك إذا لم تتأقلمي معنا ثلاث ليالي, ما رأيك؟

أحست النبل في صوته, ولكنها عارضته برغبتها في الرجوع الفوري, وأخيرا اتفقا على أن تبيت لليلة كاملة, وإن لم تشعر بالراحة فإنه سيرجعُها إلى منزلهما ثانيةً. أخذها فوجيكي إلى أصدقائها هناك من كانت تعرفهم من خلال الدراسة في البُعد الآخر وهناك من لم تكن قابلته من قبل, رحبوا بعودتها وكأنهم لا يعلمون شيئا عن موت سندور, وأدركت فيما بعد أنه احتفظ بالجثة في صندوق زجاجي رطب في منطقة بين البُعدين, مدعيا أن سيارة صدمتها مما أفقدها الذاكرة.

دخلت إلى منزلها؛ كان نفس المنزل بتفاصيله, ووقفت أمام مرآة الصالة –كانت قد اشترتها منذ يومين في بُعدها- لتجد وجهها قد كبر أربع سنوات وتعجبت بداخلها فعذرت فوجيكي عل كل هذا, وهو الذ أقسم لها أن يس كان سيفعل الشيء نفسه لو كان في مكانه, ومشت إلى حجرة والدتها لتجد سيدة مريضة, لكنها لم تكن والدتها, إنها –ولغرابة القدر- خالتها الصغيرة التي تحبها من صميم قلبها, وصرخت: - أمي. 
ففتحت الأم ذراعيها لـ روان واحتضنتها في بكاء مشترك.

كان الوضع غريبا؛ وجهها لم يعد كالسابق, لها خطيب يدعى فوجيكي, وتغير اسمها لـ سندور, وخالتها أصبحت والدتها, واكتشفت أن أباها قد فارق الحياة منذ ثلاث سنوات, ولكنه ليس أباها الحقيقي وإنما صديق والدها "صادق". اختلفت الحياة وتشابكت العلاقات, وأصبح من الصعب عليها استيعاب الأمر, ترى هل لها أن ترى عالمها ثانيةً؟ إنها لا تعرف ما الخلاص, هل ستعود إلى عالمها؟ أم أنها ستبقى حبيسة هذا العالم الموحش؟ إنها تشعر بالوحدة برغم كبر عدد أصدقائها.

كانت تبكي بين يدي خالتها أو أمها الحالية, تبكي بحرقة, وما إن تركت حضن أمها حتى اكتشفت أنها تشعر بمشاعر غريبة؛ لقد وجدت أمها الحقيقية تقف أمامها, ولكنها صديقة خالتها, وقفت وقد ارتعشت وفجأة مادت الدنيا أمامها, غير أن فوجيكي إلتقطها في اللحظة المناسبة قبل وقوعها على الأرض, وأخذ ينعشها حتى أفاقت مرتعشة ضعيفة لا تقوى على شىء, ساعدها فوجيكي على الجلوس واعتذر لها كثيرا على ما فعله, ولكن جسدها لم يهدأ رغم وعده إياها بالرجوع إلى الوطن.

***

تشابكت السحب وهطل مطر خفيف على حديقة المنزل وروان لم تكف عن النظر إلى العشب, وكأنها انفصلت عن ذلك العالم, أخذ جسدها يرتعش بردا من تبللها بالمطر لكن عقلها, كان يسير إلى وادي من أفكار تهز كيانَها.

قبل أن تغادر منزل فوجيكي اكتشفت أن لديها أخا صغيرا هو في الحقيقة أخا لسحر؛ فاستندت إلى ذراع فوجيكي الذي صمم أن يذهب بها وحده إلى الطبيب, في البداية كان يرى رجوعها إلى عالمها هو شفاؤها غير أنه اكتشف عدم استجابة جسدها لهذا الدواء فسارع بها إلى الطبيب, لم يصارح الطبيب بالحقيقة كاملة, وهي نصف واعية, وشخص الطبيب "ساي" حالتها على أنها صدمة عصبية, وأعطاها حقنة جعلتها في عالم بين عالم اليقظة وعالم النوم, ولكن فوجيكي لم يتركها وقد استوعب الأمر, فمعنى تقبله لموت سندور والحزن لأجلها أنه يكرمها بعد مماتها وليس العكس, نقلها إلى عالمها وذهب بها إلى سريرها مودعا إياها.

نامت جيدا ثم استيقظت لتجد سحر على بوابة منزلها ترحب بها كالعادة, فسارعت الخطى إلى الحديقة وقد فرشت والدة سحر الإفطار لهما, تناثرت السحب, وجرت سحر لتلعب مع الفراشات بينما أخذت روان تنظر للعشب تفكر في اللاشىء.

انقضى يومي الجمعة والسبت, عادت حياة روان إليها, ذهبت إلى المدرسة, وقد نفضت عن ذهنها القصة الغريبة التي أخذت تفكر بها في الحديقة, وانقضى اليوم الدراسي على أحسن حال, وانتظرت صديقتها عند الشجرة ولكنها لم تجدها, تسارع نبضها أيمكن أن يحدث ما كانت تفكر به؟

إلتفتت فإذا بالطبيب ساي أمامها يسرع إليها, فقد كانت توشك على الوقوع, فعرف نفسه إليها: - أنا يس طبيب لا تقلقي. كانت كلمات بسيطة يريد لها أن تطمئن بها لكنها عاجلت بفقدان وعيها, فأخذ يسعفها وعندما أفاقت قال لها:

إنني معجب بسلوكك المهذب, فأنا أمر من هنا كل يوم إلى المشفى, فهل تسمحي لي بخطبتك؟
ارتفع حاجبا روان إلى أقصاهما, وتساءلت أيمكن لذلك الحلم أن يكون حقيقة؟!