دعاء المهدي - الشبيهتان



الشبيهتان

بقلم : دعاء المهدي 



كانت كعادتها كل يوم تستعد للذهاب للنوم .. ما أن تدق تلك الساعه الأثريه المعلقه علي حائط غرفتها ذات السقف المرتفع معلنة منتصف الليل حتي تدخل في فراشها الدافئ الذي كانت تدلله بعنايه وكأنه عالم خاص بها يأخذها الي الأحلام بتلك الألوان الزاهيه كلون غطاء السرير.

إرتمت بين أحضان فراشها الأثير وأخذت غطائها المفضل وإلتفت به وكأنها ترتديه وأطفات أنوار غرفتها ذاهبة في نوم عميق ..

تسللت هي في تلك اللحظات .. رمت بذلك الغطاء الغبي الذي طالما شعرت بأن ألوانه تثير غضبها ونظرت بغضب لنفسها في المرآة الكبيره التي كانت تعشقها ..

كانت تلك المرآة هي الشيئ الوحيد الذي تحبه في تلك الغرفه القبيحه التي تتلون بألوان لا تشعر معها بالألفه ..

نظرت إلي مرآتها وهي تشعر بأنها تولد كل يوم من جديد . كانت تري نفسها بهذا الجمال الذي تشعر معه بأنها حبيسة هذا الجسد ،، علي الرغم من عشقها لتفاصيلها التي كانت تهتم بها حتي لا يخبو هذاالجمال ، إلا أنها طوال الوقت كانت تتمني أن تغادر هذا الجسد وتخترق تلك الجدران .. كانت دائمآ ما تنظر للسماء وهي تشعر أن هناك حريتها التي تهفو إليها ..

نظرت إليها .. تلك النائمه علي هذا الفراش المتكومه داخل غطائها وكأنها تختبئ بداخله من شيئ تخافه .. ألقت عليها نظرة نارية مليئة بالغضب وكأنها كانت تريد أن تحملها من فراشها وتلقي بها خارج هذا المكان .. ولأول مره منذ أن أصبحت تتجول بحريه خارج هذا القفص الذي ظلت حبيسة فيه لفتره طويله ، إقتربت من تلك النائمه وهمت فعلآ أن تلقي بها ولو حتي من فوق فراشها ولكنها توقفت للحظات  وكأنها تراها للمرة الأولي ..
وقفت أمامها تتأملها .. تمعن النظر في ملامحها التي تشبه كثيرآ تلك الملامح التي تراها هي حين تنظر في مرآتها .. إقتربت منها حتي شعرت بأنفاسها تداعبها ..كانت أنفاس تلك النائمه هادئة مستسلمة .. وهي يومآ لم تعرف سوي تلك الأنفاس الثائرة المليئه بالغضب والحياة والعنفوان .. نظرت إليها وكأنها تستغرب أن يكون هذا الشبه في الملامح فقط .. 
وقبل أن توقظها نظرت إلي نفسها في المرآة نظرة سريعة وكأنها كانت تريد أن تطمئن علي روحها المتمرده .. لمعت عينها تلك اللمعه التي ترضي غرورها وقررت أن توقظ تلك النائمه 

إقتربت منها بكل ثقه .. وداعبت شعرها الناعم الأملس  النائم كصاحبته ، وهي تمسك بيدها الأخري خصلات من شعرها المتناثرة التي تتركه دائما ينعم بالحريه .

يبدو أن تلك المداعبه لم تكن كفيلة بإيقاظ تلك النائمه ..قضبت جبينها وهي تشعر بالإمتعاض من تلك الأخري التي تغط في ذلك النوم بتلك الصوره .. فقررت بكل الغضب أن توقظ هذه النائمه ، إتجهت إلي المكتب وأخذت من فوقه تلك الزهريه الحمقاء التي وضعت فيها زهورآ حمراء وبيضاء وإحتفظت بهم حتي ذبلوا .. ألقت بتلك الزهريه علي الأرض بجانب السرير محدثة ضجة عالية مع كسر الزهريه وتناثر الزجاج والورود علي الأرض .. 

إنتفضت النائمه من علي فراشها وهي مازالت مغمضة العينين في هذا الظلام تحاول أن تتحسس طريقها إلي مصباح الكهرباء لتعرف ما الذي حدث .. 
،، لا تحاولي ..
هكذا صاحت فيها .. 

إرتعبت تلك النائمه وتسمرت في مكانها .. فركت عينيها وكأنها تتأكد من أنها مستيقظه .
 ضحكت تلك الضحكة الصاخبه وهي تشعر بالشفقه عليها قائلة لها :
 نعم أنتي مستيقظه .. أنا حقيقه أيتها الحمقاء .. أنت لا تحلمين ، أنت أصلآ لا تعرفين كيف يكون الحلم .

تكلمت النائمه بصوتها المرتعش :
 من أنتي ؟ 
أجابتها ونبرة التحدي والقوه في صوتها : 
بل من أنتي ؟ 

خيم هذا الصمت الذي تعالت فيه صوت الأنفاس الخائفه في صدرها الذي يعلو ويهبط وهي تشعر أن هناك خطأ ما .. إنه صوتها .. هي تسمع صوتا يكاد يكون صوتها .. حاولت أن تري شيئآ في ظلام الغرفة الدامس ولكنها لم تكن تستطيع الرؤيه .. 

شعرت تلك الواقفة هناك بحيرتها وخوفها فإبتسمت إبتسامة الإنتصار وهي تقول لها :
 أعرف أنك تعرفين هذا الصوت جيدآ .. وإن كان قريبآ من صوتك ولكن نبراته لم تكن لكي يومآ أيتها الساذجه ،، إنه صوتي أنا .. 
+ ترددت قبل أن تتحدث ولكنها أجابتها :
 لماذا أنتي هنا ؟ وماذا تريدين مني ؟ 
أنا مازلت أجهل حتي من أنتي ؟ 
صرخت فيها : 
لماذا أنا هنا ؟ أنا مازلت هنا بسببك أنتي أيتها الحمقاء .. أنتي من وضعني في هذا المكان .. كيف لكي أن تفعلي بي هذا ؟؟ 

وبكل غضبها .. أمسكت بها وهي تسحبها بعنف من خصلات شعرها المعقوف وذهبت بها إلي المرآة .. وهناك أشعلت هذا الضوء الخافت الذي يجعلها تري وجهها في المرآة وصرخت فيها .. أنظري .

نظرت إلي المرآة وهي تشعر بالألم والرعب ولم تستطع أن تغالب دموعها التي إنهمرت من الألم والخوف ،، نظرت فوجدتها .. تلك الأخري التي تمسك بشعرها بتلك القوه .
رأتها للمرة الأولي بخصلات شعرها المتطايره وجسدها الممشوق .. بنظرة عينيها التي تملؤها الحريه والحياة’والغضب معآ.. 

كانت تشبهها وكأنها توأمها .. ولكن ملامحهما كانت تختلف رغم ذلك الشبه الذي لن يخطؤه الأخرون ،، تسمرت في مكانها وهي مازالت تحدق في المرآة التي لم تكن تحب أن تنظر اليها إلا في لحظات خاطفة وكأنما كانت تهرب من شيئ ما لم تكن تعرفه فيها .
لم تعرف ماذا يمكن أن تقول .. وقفت الكلمات وكأنها فقدت كل مفردات اللغه في لحظة واحدة * نظرت اليها بكل ثقه وعلي شفتيها ضحكة إستهزاء : 
أعرف كل ما يدور في ذهنك ، كم أنتي غبيه ، لم أعد أطيق حتى التواجد معكي .. مازلتي لم تعرفي من انا ؟ 
حاولت أن تجيبها بصوتها الواهن :
 أنتي .. أنا ؟؟
أنا هو أنا أيتها الحمقاء .. 

قالتها بكل الغضب والثورة والحنق الذي تشعر به بداخلها ، أكملت حديثها وهي تنتفض من الغضب : 

كيف تجرؤين أن تفكري ولو للحظه أنك أنا ، أنا هي أنا .
لم أكن يومآ راضية عن وجودي بداخلك ، كلما نظرت إليك وإلي ضعفك وإستسلامك وهدوئك زاد غضبي علي هذا الجسد الذي يجمعنا .. كنتي أنت دائمآ من تظهر لكل الناس بحماقتها وسذاجتها التي تظنين أنهم يجعلون منك محبوبة الجميع ،، أنتي بخضوعك وهدوئك 

كم شعرت وكأنك تعشقين أن تعيشي دور المغلوبة علي أمرها .. أتذكرين كم مر عليكي من صدمات كنتي تهربين منها كالطفله وتختبئين هنا في سريرك وأنتي تبكين كالبلهاء .. كم خذلك الكثيرين ومازالتي تلتمسين لهم الأعذار .. 

كانت تصرخ عليها بكل ثورتها وغضبها ،، وكانت هي تتكوم هناك خائفة مرتعشة ، تذكر جيدآ تلك التي تصرخ عليها ، كم هربت منها حين كانت تخطف تلك النظرات السريعه الخاطفه في المرآة ، كانت تراها وكأنها تحاول أن تخرج من داخلها في كل اللحظات 

كانت تشعر دائمآ بها .. بل وأحيانا كانت تسمع صوتها الغاضب الثائر ، تذكرت كم من المرات كانت تقف فيها في نافذتها وكانت تشعر أن هناك شيئا كان يدفعها لأن تطير.
كم شعرت بتلك الغصه التي كانت دائمآ ما تقبض صدرها وكأنها تعتصره من الألم حين كانت  تقف مكتوفة اليدين في لحظات قهرها واستسلامها ..
كم كانت تفكر كيف لها أن تخرج من سجن هذا الجسد الذي يكبلها بأصفاده طوال الوقت 
تري هذا النور الذي يرمي أمامها بصيصآ من الأمل في تلك الظلمة الحالكه فتعافر بكل قوتها لتصل إليه،، 

كانت تدرك جيدآ أنها ليست الأقوي في تلك المعركة فالأخري هي من تفوز دائمآ .. إنها هي من تحكم ومن تأخذ الأمور الي مسارها الذي تسير فيه .

كم حاولت مقاومتها ،، كم تمالكت نفسها في كل لحظات ضعفها حتي يخرج صوتها إلي النور ولكنها ما إن كانت تنظر في تلك المرآة حتي تري نظرة عينيها التي تتحداها وكأنها تقول لها أن البقاء دائمآ للأقوي ..

كانت تسرح كثيرا بخيالها وتذهب الي تلك البقعة الوحيدة التي تجد لها  فيها مكانآ داخل هذا الجسد ،، تتكوم هناك كطفل صغير يختبئ من زحام العالم المخيف في رحم أمه ،،
تنتظر وتنتظر .. ومازالت عيناها علي النور الذي مازال يحمل لها بصيصآ من الأمل 
دارت كل تلك الخواطر في رأسها وهي مازالت متكومة هناك ترتعش من الخوف من تلك الأخري التي تنظر إليها تلك النظرات الناريه بكل الغضب والحنق والضيق 
نظرت إليها وهي تشعر بالحيرة وعيناها مغرورقتان بالدموع وهمست وكأنها تخشي أن تسمعها فتصرخ في وجهها : 

نعم .. انا لست أنتي .. ولم أستطع يومآ أن أكون .. كنت أشعر بك طوال الوقت ولكني كنت ومازلت أخشاكي .. 

إبتسمت تلك الأخري التي مازالت واقفة هناك أمام المرآة تنظر إلي نفسها وتتأمل بعينيها نظرات الإنكسار والألم في عين الجالسه أمامها .. 
وكأن إنكسارها كان هو كلمة السر التي تفتح الباب امام قوة وسيطرة وسطوة الأخري علي ذلك الجسد النحيل وتلك الروح الهزيله ..

تعالت ضحكتها المنتصرة .. ونظرت في مرآتها وهي تختال .. أيقنت ان لحظة خروجها للحياة قد حانت ،، 
ولم تنتبه في تلك اللحظات اليها .. وهي تتجه الي نافذتها وتنظر الي السماء وكأنها تعتذر وفي تلك اللحظات الخاطفه .. تلقي بجسدها من النافذه .. فتتعالي صرخات الحسرة من أمام المرآة وينتهي كل شيئ في لحظات ،، 

                                     تمت ،،


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء