محمود سلامة الهايشة - هل للمُسدسات شُموس؟!



 هل للمُسدسات شُموس؟!

بقلم: محمود سلامة الهايشة
كاتب وباحث مصري
elhaisha@gmail.com


عندما هممت في كتابة هذا الجزء من دراستي عن ديوان "مسدسات" للعم إبراهيم رضوان والشاعر أشرف عبدالعزيز، حدث صارع بيني وبين نفس عن وضع عنوان له، في البداية اخترت "شمس المسدسات"، فقلت "لا.. لا يجوز"، كيف تكون المسدسات جمع والشمس مفرد وخاصة عندما قمت بعد عدد مرات تكرار لفظة "شمس" داخل قصائد وأبيات الديوان فوجدتها ذكرت 13 مرة، إذا كان لابد من تعديل العنوان إلى "شموس المسدسات"، أصبح جمع الجمع، والشمس هي النجم المركزي للمجموعة الشمسية. تعد في التصنيف النجمي نجماً من نوع القزم الأصفر و تدور حولها الأرض و سبع كواكب أخرى و خمس كواكب قزمة على الأقل، و العديد من الكويكبات و المذنبات و السدم. تعد الشمس أقرب النجوم إلى الأرض.

وطالما نحن في إطار الفهم والتفسير، وكما علمني أساتذتي في البحث العلمي، اتذكر دائما مقولة أستاذي وعالمي الجليل الدكتور/ أحمد زكي محرز – أستاذ تغذية الحيوان بكلية الزراعة جامعة المنصورة، عندما كان مشرفا ومنسقا للسيمنار "الحلقة العلمية" لقسم الإنتاج الحيواني، وهو يقول لجميع طلاب الدراسات العليا الحاضرون "يا ابنائي ما البحث العلمي إلا سؤال نحاول الإجابة عليه عن طريق اتخاذ أكثر من وسيلة أو طريقة للوصول والسعي إلى الإجابة الصحيحة، ولتعلموا جميعا بأن الإجابة السلبية نتيجة والإجابة الإيجابية نتيجة!!"، لذا نحاول من خلال تلك الوريقات أن نجيب عن ما ورد من شموس تم إطلاقها من مسدسات إبراهيم رضوان وأشرف عبدالعزيز.



نيران الشمس والمسدس!

يصدر عن الشمس حرارة وكذلك للمسدسات حرارة تصدر عنها أثناء إطلاق الرصاص فوهته، ولكن حرارة المسدسات العادية حرارتها بسيطة، أما حرارة مسدسات رضوان وعبدالعزيز يصدر عنها حرارة تمثال حرارة الشمس. يسمى الجزء الداخلي من الشمس جوف الشمس، حيث تبلغ درجة الحرارة فيه ما يقرب من 15,000,000°م (15 مليون درجة مئوية). ويتكون هذا الجزء من مادة تبلغ كثافتها قدر كثافة الماء 100 مرة، ولكنها ما زالت في حالة غازية؛ وفيه تحدث التفاعلات الحرارية النووية.

كتب أشرف عبدالعزيز (ص41) بأول بيت لقصيدته "ضامن":

( بُكره ) نَدَه على مركب الشمس الأخيره فْ عهدِتُه .. جتلُه

استخدم المصريون القدماء المراكب في أغراض شتى دنيوية كالصيد والحروب، والانتقال بها على صفحة النيل وغيرها، كما استخدموها في أغراض دينية أيضا، إما كمراكب للإله توضع في قدس أقداس المعبد حيث ينتقل بها تمثال الإله على أكتاف الكهنة أثناء الاحتفالات الدينية أو مراكب شمس. فقد كان اعتقادهم أن الإله ( رع ) المتمثل في قرص الشمس ينتقل عبر صفحة السماء أثناء النهار ، من الشرق إلى الغرب فوق مركب إلهى، وأثناء الليل من الغرب الى الشرق فوق ظهر مركب إلهى آخر، وأطلقوا على هذه المراكب ( مراكب الشمس ) ولذا فقد صنع ملوك الدولة القديمة مثل هذه المراكب ودفنوها معهم حتى يستطيعوا بعد رحيلهم من الحياة الدنيا ان ينطلقوا ويعبروا بها إلى الأبدية مع الإله (رع). وهنا يستدعي أشرف عبدالعزيز مركب الشمس الخاص بـ رع من مصر القديمة وتسيرها أيضا بمياه النيل لإنقاذ مصر بعد ما حدث فيها في 25 يناير، فيقول في آخر بيت بقصيدة "ضامن":

هايجيب معاه ( ثورة يناير ) تضمَنُه ؟ .. ولَّلا حلال قَتْلُه

وهنا يستدعي الشاعر أحد مراكب الشمس المدفونة مع أي ملك من ملوك مصر القديمة لاستخدامها في كافة المجالات والأغراض لحل المشاكل والأزمات التي تمر بها مصر الحديثة للخروج من هذا النفق المظلم.

ومن الحبيبة مصر وشمسها بقصيدة "ضامن"، إلى المحبوبة وشمسها مع العم إبراهيم رضوان بقصيدته "الفرق" (ص70)، فقد وصف المحبوبة على أنها بلد بل دولة كبيرة بها بحر بموجه ينظر إليه، وطيور مبهجه، المدهش بأنها تمتلك شمس يفوق على شروقها كل صباح، فالشمس كما نعلم نجم ساطع بالسماء، إذا فقد تحولت من مجرد أرض أو وطن إلى نجم شع نوره، بالفعل عندما رفع المحبوبة إلى السماء رفع قلب عاشقها إلى الأعلى معها، وعندما يطلبها تنزل له على الأرض، فتقترب منه رودين وتظل معلقة ما بين السماء والأرض تاركة مكانها، فتصبح واقعة بين نارين، نار شمس الكون ونار حبيبها الواقف على الأرض، وإذا ظلت على هذه الحالة لسوف تحترق، برغم حنينها له ولكن التردد الذي يضيع العمر ويحول دون تحقيق الأماني. فهيا نقرأ سويا رصاصة "الفرق" (ص70):

الفرق بين الناس و بينِك .. يا حبيبتى .. ألف ميل متحدده

دا لأنك انتى البحر .. بالموجه اللى لسه .. فى نظرتى متجدده

و انتى اللي خليتى .. طيور البهجه .. تسبح في العروق

و انتى اللى علمتينى افوق .. على شمستك .. لو فيه شروق

و انتى اللي خدتى القلب فوق ..كل الحاجات علشان يفوق

خليكي واقفه .. ما بين نارين .. رغم الحنين متردده

وطالما ذكر الشاعر إبراهيم رضوان الشطر (ألف ميل متحدده)، كان لابد أن نذكر بأن الشمس تبعد عن الأرض مسافة 149,600 كيلو متر ( 93 مليون ميل ) وتبعد عن اقرب نجم لها مسافة 4.3 سنة ضوئية. فقد شبه الشاعر الإحساس بالبهجة بالطيور، ولم يكتفي بذلك بل استمر في الدهشة واستكمل التشبه للنهاية، الطيور كما هو معروف أنها تطير أو تسبح في السماء، طبعا الإحساس لا يسبح في السماء بل في عروق الجسد كالدم، فبعدما صعد بإحساس البهجة إلى السماء، نزل به مرة أخرى وعلى بُعد كلمتين فقط إلى العروق، فالشاعر يصعد بنا للسماء في لمح البصر وبنفس السرعة ينزل بنا إلى الأرض، بالطبع هو يتحدث عن النفس البشرية التي هي من روح الله، ونحن نفعل ذلك أثناء الدعاء سواء بالذكر أو الصلاة.

وعلى ذكر الصلاة، عندما نقرأ الديوان لنصل لصفحة 94، سنجد أن لفظة "شمس" ذكرت ثلاثة مرات في تلك الصفحة، مرتين في قصيدة "صليت"، والثالثة بقصيدة "فاطمة ريحان".

صليت

صليت على شعاعك .. يا شمس رقيقه دافيه مقدسه

و دعيت تعيشى يا مريميَّه معايا ..طاهره .. مخلصه

و وقفت يا مولايا .. قدَّام المقام السندسى

قالع فى نعلى و كل نفسى .. بقول لروحى اتشمسى

فارد دراعى .. بس قلت لكفى ..إوعى تلمسى

و صبحت بسم الله .. في ساحة الفكر أجمل مدرسه

فبشعاع الشمس نحصل على الدفء، والدفء هنا ليس دفء الأبدان فقط بل الأرواح أيضا، فالشاعر يحدث نفسه موجها الكلام لروحه بأن تتشمس من أشعة الشمس، تظهر هنا عدة مهارات شعرية لدى العم إبراهيم رضوان، تميزه عن الكثيرين:

يبدأ قصائده التي تتناول نفس الخط الفكري من حيث انتهى في قصيدة أخرى، حتى ولو مر على كتابة السابقة يوم أو شهر أو سنة أو سنوات، بدون تكرار بل يستكمل ما قد بدأه بالدخول في التفاصيل، لكي يرسم لوحة جديدة مكملة لسلسلة اللوحات السابقة عن نفس الفكرة.
يفعل شيء مثل مراحل حياة الإنسان، فعندما يولد الإنسان يلف بلفة بيضاء، وعندما يموت أيضا يلف بلفة بيضاء، وبين اللفتين يأخذ الإنسان في الدنيا لفة، عندما يولد يؤذن في أذنه اليمنى، ويقام للصلاة في أذنه اليسرى، وما حياة الإنسان إلا كالفترة بين الأذان والإقامة، والتي تحسب أو بالأحرى تتراوح ما الصلوات ما بين 15-20 دقيقة أي من ربع إلى ثلث ساعة على الأكثر.
تطبيق عملي على ما قلناه بالنقطتين السابقتين، ففي قصيدته "صليت"، العنوان كلمة واحدة، فالطلقة أو الرصاصة أيضا كلمة واحدة، وصليت فعل ماضٍ، وقد بدأ أبيات تلك القصيدة بالأفعال "صليت، ودعيت، ووقفت، وفي نهايتها وصبحت"، وحرف الواو (و) هنا للتأكيد والتوكيد، فهي ليست زاده، والحديث هنا عن صلاة الصبح وعلاقتها بشروق الشمس، ولأن القصيدة موجه للمصريين مسيحي بقوله (يا مريميَّه)، ومسلم (يا مولايا)، وقد وصف الحالة مع السيدة مريم البتول بأنها تعيش معه بالروح بصفاتها المعروفة طاهرة ومخلصة، أما الوقف للصلاة أمام المولى فتكون بالوقوف أمام المقام أو المحراب، وهي يذكرنا بمقام إبراهيم عليه السلام. فهنا الشاعر يثبت للقراء بأن الشمس لديه ليس هي نفس الشمس، فالشمس في الطبيعة شمس الشروق والغروب، شمس الضحى والظهيرة، وعند إبراهيم رضوان شمٌوس شعرية ذات خصائص متباينة، تختلف طبقا للحالة النفسية والفكرية للقصيدة، فكما شبهها هو "في ساحة الفكر أجمل مدرسه"، فالشموس كفصول المدرسة، والأفكار جامعة كبيرة، فالحكمة تقول أن الفرق بين الحياة والتعليم، أن في التعليم المدرسي عبارة عن تعليم وتعلم وتدارس للدروس ثم أداء الامتحانات، بينما الحياة عبارة عن اداء الاختبارات طوال الوقت وعلى مدار الساعة ويأتي التعلم بعدها، أي أن التعلم المدرسي عكس خطوات ومراحل التعلم الحياتي، وهذا تقريبا ما يفعله إبراهيم رضوان وأشرف عبدالعزيز من خلال تجربة المسدسات. وحتى لا نتوه في كثرة التفاصيل، نعود مرة أخرى إلى شموس المسدسات، قلنا وظلنا نكرر بأن هناك تباينات كألوان الطيف لشموس "رضوان"، أيضا شموس "عبدالعزيز" ليست كشموس العم الأستاذ، فهذه غير تلك.



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء